
مقال 8 دقائق للقراءة
قطرة الماء
مطرٌ ورعدٌ ورائحةُ بطاطا مشوية على المدفأة.
نجلس أنا وأمي نقلبها على مهل، وألتقط إحداها وأقلبها ذات اليمين وذات الشمال، وأنا أقشّرها بسرعة لألتهمها وأتذوّق ذاك المذاق الذي اشتقت إليه.
أُنهي تقشيرها وأرشّ الملح عليها لألتقمها. الحُلَيْمات الذوقية بدأت تفرز سائلًا في فمي استعدادًا لما سيأتيها من خيرات.
أفتح فمي، وفجأةً نزل عليَّ شيءٌ ثقيل ورماني أرضًا، وجثم على صدري.
أكاد أختنق، لا أستطيع التنفس.
فتحت عينيَّ، فإذا بوجهٍ يلاصق وجهي، وأنفاسه تختلط بأنفاسي.
ماذا؟ ما هذا؟ أين أنا؟ ومَن هذا الوجه الذي يقطر دمًا عليَّ؟
عفوًا يا أمي، فلقد أيقظني هذا الزائر الغريب وأخذني من حُلمي الجميل معك. أقحموه عليَّ في زنزانتي هذه التي لا تكاد تتسع لشخص واحد.
استوعبت ما أنا فيه، وحاولت رفعه، وكان يئنّ، ولكن العتمة التعيسة تمنعني من أن أتمعّن في ملامحه، لاختلاط الدم بالتراب المتساقط من أحذيتهم أثناء لطمه وتعذيبه.
سألته: ما اسمك؟
قال بصوتٍ يكاد يخرج من شفتيه: «يوسف».
أجلسته مكاني، ووقفت أنا؛ لأن الزنزانة لا تتسع لاثنين، فمساحتها كلها 90 عرضًا و140 طولًا (أخذت مقاسها بمقاس يدي)، مع المرحاض الجاثم على أرضيتها.
وأشار لي أنه يريد ماءً.
اعتذرت بلباقة المضيف لضيفه المزاحم لمساحته، وقلت له: «المي مقطوعة».
حاولت التخفيف عنه بأن أحادثه وأصبّره على ما فيه، من قبيل: ستمضي، فقط اصبر ولا تبح بشيءٍ يُدينك.
وكونه زائرًا جديدًا، ويمكن أن يكون جاء حديثًا من العالم الخارجي، انهالت عليه أسئلتي: ماذا جرى؟ وما الأخبار؟ ونحن في أي شهر، وأي الأيام؟
فلقد نسيت العدّ وتآكلت ذاكرتي، ولكنه كان صامتًا ساكنًا، سكون ليلٍ بهيم، لم ينطق ببنت شفة.
ولمدة أربع أو خمس ساعات، تزيد أو تنقص، فأنا لم يكن لديَّ رفاهية معرفة الوقت، ولا الليل من النهار.
سمعت قرقعة مفاتيحهم وهم يفتحون الزنزانة، وبحركة اعتدتها، وبسرعة كبيرة، أدرت وجهي إلى الحائط وجثوت على ركبتيَّ؛ فممنوع علينا النظر في طلّة وجوههم البهيّة.
ولقد تلقيت الكثير من العذاب في بداية رحلة اعتقالي، إلى أن اعتدت هذه الحركة.
أخذوه، عفوًا، شحطوه، وأغلقوا الباب.
وعدت لجلستي، لوحدتي، لأنّاتي، لآلامي، لأشواقي وأحلامي.
ودعوت ربي أن يهدي النوم ليسدل ستار وعيي، وأعود لحضن أمي وأتمّم ما تركت من بطاطا مشوية، وبدأت أستحضر طعمها ومذاقها و…
غفوتْ…………………….
يَعلوا صوت أمي وتُصرّ عليَّ بأن ألبس معطفًا سميكًا، فالجو بارد والريحُ عاصفة، وسفري طويل، طويل لدرجة لا أعلم كم هي مسافته ولا زمن وصولي، وبالطبع لن أعلم زمن عودتي.
تشيّعني أمي إلى باب المنزل، وترافقها أختي مربيتي، وهنّ يدعون لي.
وقبل أن أفتح باب المنزل وأخرج إلى المجهول، أسمع قرع مفاتيح من خارج الباب، فأتنبه إلى أن هناك من على الطرف الآخر من الباب.
وبانسحاب سريع للاوعي واستلام وعيي زمام الأمور، أرتمي جاثيًا على ركبتيَّ ووجهي إلى الحائط، وأنا أتمتم:
سامحيني يا أمي، فلم أطبع على يدَيكِ قبلة وداع ، سامحيني يا أختي فلم أستطع العودة لأحضر لك دواءك الذي تحتاجين له….
رُمي شيءٌ خلفي وأُغلق الباب.
استدرت بسرعة لأرى بعين قلبي وسط الظلام جثةً هامدة، وأنينًا عميقًا أكاد أسمعه.
حاولت قلبه على ظهره، فلقد رموه رميًا واستقر على بطنه ووجهه للأرض.
وبعد جهد جهيد من جسدي الهزيل الذي أكلته سياط الظالمين التي ما شبعت من أنّات المعذبين، استطعت قلبه، وبالكاد تمكنت من معرفته، فهو (((يوسف))).
فلم يمضِ وقت طويل حتى أنساه؛ لأنني في زيارته السابقة، ومنعه لي من تذوّق البطاطا المشوية، تمعّنت بوجهه جيدًا، وحفظتْ ذاكرتي المشوّهة ملامحه.
ولكنه كان قد تغيّر بشكل كبير، فالدماء تسيل من فمه، ومن شفتيه، ومن أنفه وأذنيه.
يا صغيري،،، ماذا فعلوا بك، عتاة العصر وجلاوذة القصر؟ ماذا صنعوا بوجهك الطفولي الصغير؟
فلم يكن يبلغ من العمر ما دون العشرين ينقص ولا يزيد
حاولت إجلاسه لكي يستطيع التنفس، وبدأت أتحسّس وجهه.
لا أعلم أكنت أتحسّس وجهه أم أنني كنت أتحسّس أنّاته التي بالكاد أستطيع سماعها، وشفتاه التصقتا ببعضهما بفعل الدم الممزوج بأشلاء شفتيه.
حاولت، بتحسّسي لشفتيه، أن أفتحهما، فزادت أنّاته وتعاظمت.
أعتذر، أعتذر منك يا صغيري، فأنا أحاول أن أساعدك على التنفس.
وتمكنت أخيراً من فتح شفتيه وأنا أحشر إصبعي في فمه، لحظة !!!!!! إصبعي لم ترتطم بأسنان.
تحسّست دمًا ولسانًا.
ياااااا… يا رب السماء! لقد اقتلعوا أسنانك!؟؟
بدأت أتحسّس باقي فكّه، وأعدّ الأسنان الأمامية، الأنياب، القواطع ،
قلعوها! أفرغوا فمك يا صغيري، وحشوه دمًا وأشلاء وبقايا تراب.
كان يتوسل لي بأنّاته قطرة ماء أغسل بها فمه وأمضمضه، وأسقيه ما كان يشتهي، فلقد طلب مني سابقًا أن يشرب الماء.
سحبت إصبعي، وأنّاته ما زالت تعلو وتعلو.
اختلطت دموعي وعذاباتي بدمائه وأناته
جلست جانبه، وأسندت رأسه لحجري، وبدأت أتلو عليه سورة يوسف التي كنت أقرأها دوماً فهي ملاذي الذي يصبّرني على ظلام القبر،
وعندما وصلت لقوله تعالى:
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
شعرت بآخر أنفاسه وقد خرجت من جسده الصغير المتعب.
يااارب …. بكاء … نحيب ….. عويل ……
……..نم نم يا صغيري، فالحالمون لا مكان لهم، المتعبون لا مكان لهم، الثائرون لا مكان لهم.
نم يا صغيري، لم يستطع جسدك النحيل وعمرك الصغير أن يحتمل ضربهم وسياطهم.
نم يا صغيري، فما عادت الدنيا تعنيك وبخلت عليك بقطرة ماء.
نم يا صغيري، وارحل إلى من لا يظمأ عنده أحد.
أسندت رأسه وسجّيته للأرض علّها تكون أحنّ عليه من حجري، وجلست بجانبه،
ضائع متألم لا بل متمزق كتمزق شفاه يوسف
وذهبت إلى الباب بكل الغلّ والحقد الذي في صدري، وبدأت أضرب الباب وأصرخ وأبكي وأجهش، وأقول: «يا سيدي»، وأكررها، وأكرر في سري: ألا لعنة الله والملائكة عليكم أجمعين.
وبعد أن تعبت من الضرب على الباب، ولا مجيب،
وبعد مدة …….. تزيد ولا تنقص
فُتحت النافذة الصغيرة المتوسطة لأعلى الباب (الطاقة)، وقال: «شو في يا…؟»
املؤوا الفراغ بما شئتم من السباب والكفر.
قلت له: «يا سيدي» (بسري: لعنة الله عليك)، وبجهري قلت: «لقد مات».
فقال بلهجته اللعينة: «فطيس»، بكل بساطة، وأغلق النافذة (الطاقة) وذهب.
وعدت إلى صغيري المسجّى، أحادثه وأعاتبه.
فلم يقل لي ما هي كنيته ولا هو من أين ولم يحكي لي عن عائلته ولا دراسته ولا أحلامه ، لم يقل لي سوى اسمه: «يوسف».
كنا أنا ويوسف، والله ثالثنا، أحادثه، فلا أدري المجيب هو أم رب السماوات؟
وهو يقول لي: تصبّر، تصبّر.
ربي، أفرغ عليَّ عُشر صبر أيوب الصابر.
ربي، خذني إليك مع يوسف، لا تتركني هنا، خذني إلى الراحلين لأجتمع بهم، فلقد طال البعاد وعساه أن يكون قد إقترب اللقاء، فلقد اشتقت إليك وإليهم.
قمتُ وصلّيتُ على يوسف صلاةَ الجنازة، صلاةَ الوداع، وتلوتُ فيها كلَّ آلامي، وحكيتُ لربي كلَّ ما بيَّ.
مضت ساعات وساعات لا أعلم عددها، أقوم أصلّي وأقعد أدعو، ويوسف نائم.
لا أريد أن أجهر بصوتي فأزعج نومه، ولا أن أقلق راحته.
وشيئاً فشيئاً بدأ البرد يتسلل إلى أصابع قدماي وحرارة تطغى على رأسي وبدأت تتشكل قطراتٍ من العرق على جبيني ، وأصابع قدماي شعرتُ بها تتجمد،
لا أدري هل لا زالت برودة الجو معي أثناء توديعي أمي وإصرارها أن أردتي معطفاً سميكاً هل لازالت قدماي هناك ورأسي هنا ،
أم أنه الزائر الأخير جاء ليصاحبني ويأخذني معه لأجتمع بمن رحلوا وصرت أتمتم (يحّّ ما أشدّ برد حرّ هذا اليوم ….. بردااان يا أميي)….. و….
غفوتْ …………….
هواءٌ عليلٌ وشمسٌ حانيةٌ دافئةٌ، أطير فوق قريتنا، فوق تلّها وربوعها، قاصدًا بيتنا، وأرى أشجاره هناك، والياسمينة، وأمي وإخوتي وزوجة أخي وطفليه، وهم يلعبون تحت ظلال دالية وارفة.
حططت على أغصانها، واختبأت بأحد وريقاتها لأسلّي نفسي بمرآهم ولا يروني.
أخي الأوسط يخط لافتات بعبارات ثائرة يعدّها للمظاهرة، وأختي تجني القليل من البقدونس وتعطيه لزوجة أخي، وهي تحضّر السلطة للغداء، وأخي الكبير يفتح كتابًا ولكنه شارد الذهن، لقد أثقل كاهلك غيابي.
وأمي، تلك الزيتونة الأرفادية الباسقة الطول، المتجذرة بأرضها، مطأطئة الرأس، غلبتها أحزانها لفراقي وغياب أخباري، وأختي تحنو عليها وتواسيها.
وأنا مستغرقٌ أُشبع شوقي بمرآهم، فإذا بقطٍّ أسود كسواد الليل يقطع تأمّلي لهم، فأفزّ من رُعبي منه، لأجد الباب أوشك أن يُفتح.
فأقفز لا إراديًا، وجهي إلى الحائط، جاثيًا على قدميَّ.
وأتمتم: ويح قلبي، جاؤوا ليأخذوه! ويحي، لقد غفوت وتركت يوسف وحيدًا. ما أشدّ قسوتي عليك يا صغيري! سيأخذونك ويكتبون بأيديهم الآثمة رقمًا على جبينك ……./ 2….. (رقم الفرع).
سيرمون جثمانك الطاهر فوق كومٍ من الجثامين، حصادَ يومٍ واحدٍ في أفرعهم ومعتقلاتهم، ومن ثم سيحرقونها، أو إذا أخذتهم الرأفة فسيحفرون لها حفرةً عظيمةً لتتّسعَ لجثامينهم الطاهرة، وتعبق برائحة دمائهم الزكية.
فتح الباب وأخذوا صغيري من جانبي، ووضعوه على بطانية قاتمة برائحة كريهة، ولكنها تعطّرت بدماءه الطاهرة.
وقبل أن يُغلق الباب، سمعت صوتًا من خلفي:
تك تاك، تيك تاك.
قطرات ماء بدأت تقطر من ذلك الصنبور اللعين،،،،،،،،
أُغلق الباب وبدأ الماء يتدفق من الصنبور.
صرخت بكل ما في صوتي من قوة:
الآااان!
جئتِ، فلا معنى لمجيئكِ، فلقد رحل صغيري وهو يستجدي قطرة. ………
أيا منهلاً، فِضْتَ بعدَ الموتِ مُنهمرًا!!!!
ماذا سقى الماءُ؟
قبرًا؟
أم سقى ألمي؟
⸻
الزمان: منتصف عام 2012، يزيد أو ينقص.
المكان: أحد الأفرع الأمنية التابعة لنظام المخلوع بشار الأسد.
دوّنت هذه الذكرى بأوراق ذكرياتي في نهاية العام 2013 لأريح ذاكرتي المتعبة من فيض كبير من الذكريات.
ودوّنت بالنسخة الرقمية أثناء كتابتي لـ«قطرة ماء» لتنشر لأول مرة، لأن بعض الوجع لا يحتاج إلى إصلاح، وبعض الحكايات يكفي أن نتركها كما خرجت من القلب، لا لتُقرأ وتُنسى، بل لتبقى أمينةً لما حدث وشاهدةً عليه.
صغيري يوسف، نم قرير العين، فلقد دوّنتها حفظًا لأمانتك.
………….تمت
