حَتَّى أَنْتَ يَا بْرُوتُسُ؟
لِيَ الْقَلْبُ، وَلِيَ الْحُلْمُ،
وَلِيَ أَنْ أُوَاجِهَ جَيْشًا،
وَأَعْجَزَ عَنْ شَكٍّ
بِيَدٍ صَافَحَتْنِي طَوِيلًا.
أُرَتِّبُ مَقَاعِدَ النَّجَاةِ لِلْجَمِيعِ،
وَأَتْرُكُ لِنَفْسِي مَقْعَدًا صَغِيرًا
فِي آخِرِ السَّفِينَةِ.
هُمْ هُنَا...
يُقَاسِمُونَنِي الْمِلْحَ،
وَيَعُدُّونَ مَعِيَ النُّجُومَ،
وَيَحْفَظُونَ مِنْ حَدِيثِي
مَا يَلْزَمُ لِحَفْرِ غِيَابِي.
بَعْضُ الرُّكَّابِ يُخْفُونَ الْمَجَاذِيفَ،
وَيَنْتَظِرُونَ الْمَوْجَ
لِيَنْجُوا مِنِّي.
يَا بْرُوتُسُ،
يَا آخِرَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي أَبْعَدْتُهَا عَنِ الظَّنِّ،
مَا أَخْطَرَ مِنْ طَعْنَتِكَ
هَذَا الرُّجُوعُ إِلَى ضَحِكَاتِنَا،
إِلَى أَحَادِيثِنَا،
إِلَى كُلِّ مَرَّةٍ قُلْتَ فِيهَا: نَحْنُ...
آهٍ مِنْ «نَحْنُ»!
كَمْ رَفَعَتْنَا كَلِمَةٌ،
وَكَمْ أَسْقَطَتْنَا يَدٌ،
وَكَمْ مِنْ خَائِنٍ تَعَلَّمَ لُغَةَ الْوَفَاءِ،
وَتَدَرَّبَ فِي حُضْنِ الثِّقَةِ
عَلَى الطَّعْنَةِ الْأَخِيرَةِ!
مَا أَمَرَّ أَنْ تَسْقُطَ الْأَوْهَامُ،
وَأَنْ تَخْرُجَ الْوُجُوهُ مِنْ أَقْنِعَتِهَا،
وَأَنْ يَعُودَ الْمَرْءُ مِنْ رِحْلَةِ الْعُمْرِ
بِقَلْبٍ أَقَلَّ،
وَبَصِيرَةٍ أَكْبَرَ.
الطَّعْنَةُ لَيْسَتْ فِي الظَّهْرِ وَحْدَهُ؛
الطَّعْنَةُ عُمْرٌ مَشَيْتَهُ نَحْوَ أَحَدِهِمْ،
وَبَابٌ فَتَحْتَهُ،
وَخُبْزٌ قَاسَمْتَهُ،
وَلَيْلٌ حَرَسْتَ فِيهِ نَوْمَ
مَنْ يَنْتَظِرُ سُقُوطَكَ.
حَتَّى أَنْتَ يَا بْرُوتُسُ؟
يَا مَنْ حَفِظْتَ مَلَامِحَنَا،
وَعَرَفْتَ مَوَاطِنَ الضَّعْفِ فِينَا،
وَشَارَكْتَنَا الْمَاءَ،
ثُمَّ دَلَلْتَ الْعَطَشَ عَلَيْنَا!
لَسْتُ قَيْصَرًا،
وَلَكِنَّ فِي كُلِّ صَدْرٍ سِنَاتُورًا صَغِيرًا،
يُصَفِّقُ لِلنَّجَاحِ،
وَيُخْفِي خَنْجَرَهُ
حَتَّى تَسْكُتَ الْقَاعَةُ.
سَأَمْضِي،
أُخَفِّفُ عَنْ كَتِفَيَّ
أَسْمَاءَ مَنْ خَذَلُونِي،
وَأَتْرُكُ لَهُمْ صَدَى خُطَاهُمْ
فِي الْمَمَرِّ.
بَعْضُ الْخَنَاجِرِ تَمُرُّ،
وَبَعْضُ الطَّعَنَاتِ تَبْقَى،
فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ الصَّغِيرِ
الَّذِي مَا زَالَ يَهْمِسُ:
فِي النَّاسِ مَنْ يُشْبِهُ النَّجَاةَ.
وَحِينَ أَمْضِي،
لَنْ أَلْتَفِتَ...
تَعَلَّمَ الْقَلْبُ أَخِيرًا
أَنَّ بَعْضَ مَنْ نَحْتَضِنُهُمْ
يَدُلُّونَ الْمَوْتَ عَلَيْنَا،
ثُمَّ يَقِفُونَ بَيْنَ الْمُشَيِّعِينَ
وَيَبْكُونَ.