من جهة الفَجر..
بلغ الليل مجمع العتمتين.. عتمة الماء الذي استبقى في جوفه آخر ما انطفأ من النجوم.. وعتمة الصدر الذي خرج لتوه من سجدة طويلة.. وكان البياض قد بدأ بي قبل أن يقع في السماء.. فقد نزلت إلى الضفة وفي أطراف أصابعي بقية ماء.. وعلى الجبين دفء سجدة لم يسترده الهواء.. وفي الصدر آخر آية ما زالت تفتح معناها.. كأن التلاوة انتهت في الفم واستأنفت سيرها في موضع آخر من الروح.. موضع لا تصل إليه الكلمات حين تعود إلى شؤون النهار.
كان الماء مطويا على سواده.. والحجر يرد إليّ وقع خطوي وقد نزع منه شيئا من عجلتي.. وطائر وحيد يشق صفحة السكون بجناحه ثم يتركها تلتئم وراءه.. دون أن يحتفظ الماء بصورة ما شقه.. أو يسأل العابر عن الجهة التي جاء منها.. وعلى الضفة حصى مبتل لم تجففه الريح.. وأعشاب تنحني فوق الماء كأنها تقرأ في صفحته شيئًا لم يكتمل بعد.
وفي البعيد.. كان خيط أبيض يفك الليل غرزة غرزة.. فتعود للأشياء حوافها.. وللصخر نتوءاته.. وللشجر تلك المسافة الدقيقة بين غصن وغصن.. وللعين ما يكفي كي لا تخطئ الطريق.. غير أن الفجر في تلك البرهة لم يكن يكشف الأشياء دفعة واحدة.. كان يعيدها إلى الوجود على مهل.. ويترك في أطرافها شيئا من الليل.. كأن لكل موجود حقا في أن يحتفظ من غيابه بما لا تراه العين.
وقفت عند صخرة امتد إليها الماء طوال الليل.. ومررت كفّي على سطحها البارد.. بردٌ ببرد.. وسكونٌ بسكون.. وكانت خشونتها تتسلل إلى خطوط راحتي فيما بقيت من وضوئي نداوة خفيفة على الأصابع.. لم أعرف أيّنا ترك في الآخر أثرا أعمق.. اليد التي جاءت من الماء إلى الحجر.. أم الحجر الذي أعاد إلى اليد إحساسها بما لامسته قبل أن تبلغه.
ثم مضيت.. وكان الصباح خلفي يتقدم على مهل.. يأخذ الحجر موضعا موضعا.. ويستخرج من الرمل ألوانا قضت الليل متجاورة دون أن ترى إحداها الأخرى.. حتى بلغ أثر أصابعي على الصخر.. فأضاء ما حوله.. وتركه على حاله.
لم ألتفت ثانية.. كانت يدي قد غادرت الحجر.. وبقي من سجودي ما لم أضعه عليه.. وفي صدري آية لم أعد أذكر أين انتهى صوتي منها وأين بدأ صمتها.
وعلى الضفة انبسط الضوء حتى آخر حصاة.. إلا ذلك الموضع الصغير الذي مرت به يدي..
كأن للصباح أيضا مواضع.. يخلع عندها نعليه.
جنيف ٢٧/٠٨/٢٠٢٦

35 مشاهدة