ما لم نكن نراه
كثيرًا ما أتوقف عند تدبير الله لأمورٍ نُصرّ على أنها لا تناسبنا، ثم نكتشف لاحقًا عكس ما ظننّا.
ربما هي قلّة يقين بأن أقدار الله خيرٌ من اختياراتنا، تلك الاختيارات التي تحكمها العاطفة، أو المصلحة كما نراها من زاويتنا الضيقة، أو اعتقادنا بأننا نعرف ما يناسبنا أكثر من غيرنا.
قبل سنوات، كنت أنا وابنتي معارضتين لانتقالنا إلى المدينة المنورة.
أنا ابنة الرياض، لا أعرف غيرها، وبعد كل هذا العمر وجدتني في مدينة لا أعرف فيها أحدًا، أنا وأبنائي.
كنت أبكي بصمت، أشتاق إلى مدينتي، إلى أبي وأخواتي وصديقاتي، إلى حياتي التي لم أعرف غيرها.
انقضى العام الأول، وكنت أحجز مواعيدي الطبية في الرياض، وفي كل مرة أذهب فيها، أصل إلى الرياض ثم يُلغى الموعد! كنت أغضب، فالموعد مهم، يتعلق بالأورام، وأحتاج إلى فحوصات دورية لا يمكنني إهمالها.
قبل انتقالنا، سألت استشارية الأورام إن كانت تعرف طبيبة في المدينة المنورة، أستطيع مراجعتها إذا احتجت إلى ذلك، فأخبرتني الدكتورة أم الخير باسم طبيبة أخرى، هي الدكتورة دعاء خياط، وذكرت أنها تعمل في مستشفى الحرس.
كتبت الاسم في محادثة الواتساب الخاصة بي، ومضيت.
مرّت الأيام، ولم أحتج إلى استعادة الاسم، حتى جاء يوم أمس.
كان ابني في غرفة الإفاقة بعد العملية، وبينما كنت أنتظر، أخذت تقاريري الطبية وتوجهت إلى عيادة الأورام لأحجز موعدًا لمتابعة حالتي وحجزت لدى طبيبه اسمها دعاء لم يلفت انتباهي ابدا الاسم ربما لانني كنت أفكر بأبني.
عدنا إلى المنزل مساءً، وفتحت رسالة تأكيد الموعد، وقعت عيناي على الاسم:
الدكتورة دعاء خياط.
توقفت قليلًا، ثم أسرعت أفتش في محادثاتي القديمة، حتى وجدت الاسم الذي كتبته لنفسي قبل سنوات!
هي الطبيبة نفسها التي دُللتُ عليها قبل انتقالنا إلى المدينة، واحتفظت باسمها دون أن أعلم متى سأحتاج إليه، ثم جاء اليوم الذي قادني إليها من حيث لم أحتسب.
سبحان الله، كم من أمرٍ ضاقت به نفوسنا، ولم نكن نرى من تدبير الله فيه إلا ما يؤلمنا، حتى تكشف لنا الأيام جانبًا لم نكن نراه.
هناك مواقف كثيرة حدثت منذ انتقالنا إلى المدينة المنورة، تجعلني أتوقف طويلًا أمام تدبير الله، لكن هذا الموقف هو أحدثها، ولا يزال صداه في نفسي، فأحببت أن أشاركه معكم.
سبحان من يدبّر لنا ونحن لا نعلم، ويهيّئ لنا من الأقدار ما لا يخطر لنا على بال.
مُنى 🍂
#مجتمع تمع #دين #حسن_الظن_بالله ن_بالله
21