
مقال 25 دقيقة للقراءة
من الماء إلى النور: مسارات الرؤيا في ديوان في "مهب النور" د. مفيدة جلاصي"
قراءة نقدية في الديوان الشعري : "في مهب النور" للشاعر"محمد سعيد المقدم" بعنوان "من الماء إلى النور: مسارات الرؤيا في ديوان في مهب النور"
1_ التقديم:
يُشكّل ديوان في مهب النور فضاءً شعريًا تتداخل فيه العلامات الكونية بالتحولات الوجودية حيث يتأسس النص على حركة دلالية عميقة تنقل الذات من عتمة التجربة إلى إشراق الرؤيا ومن خلال هذا التوتر بين "الماء" بوصفه رمزًا للبدء والسيولة والانكسار و"النور" بوصفه اكتمالًا ووعيًا وانكشافًا تتبلور بنية شعرية قائمة على التحول المستمر وإعادة تشكيل المعنى وقد كان هدفنا من هذه الدراسة تقديم مقاربة مسارات الرؤيا في الديوان من خلال تتبع آليات التشكل الرمزي والصور الشعرية التي تؤسس لرحلة الذات داخل العالم وخارجه حيث لا تبدو القصيدة مجرد تعبير جمالي بل تجربة وجودية تتقاطع فيها الأسئلة الفلسفية مع الإحساس الشعري العميق بالكون والإنسان، وسنحاول في هذا الإطار الوقوف عند أبرز تمظهرات هذه الرؤيا من خلال تحليل البنى الدلالية والرمزية التي تؤسس لحركة الانتقال من الانكسار إلى الكشف ومن الغياب إلى الحضور مما جعل من الديوان كتابةً تتجاوز الوصف إلى بناء معنى وجودي متحوّل.
2__ في قراءة العتبات:
أ__في دلالات العنوان وأبعاده "في مهب النور (عتبات شعرية) للشاعر"محمد سعيد المقدم "
يحمل عنوان الديوان الشعري «في مهبّ النور (عتبات شعرية)» كثافة دلالية واضحة فقد تأسس كما يبدو على توتّر خلّاق بين المفردات مما يفتح أفقًا تأويليًا غنيًا حيث يكشف كل جزء منه عن رؤية خاصة ويعمل ك"مفتاح سيميائي " يستبق قراءة النصوص الشعرية التي تضمنها ويمكن تفكيك دلالاته وأبعاده على النحو التالي : __ دلالة التركيب «في مهبّ النور» __المهبّ يحيل إلى الريح والتيه واللااستقرار والارتهان لقوة خارجية غير قابلة للإمساك وهو فضاء حركة لا سكون ومقام انكشاف لا طمأنينة. __النور في المخيال الشعري والفلسفي رمز للهداية والمعرفة والتجلّي وأحيانًا للجرح الذي تحدثه الحقيقة حين تداهم الذات واجتماع اللفظين يولّد مفارقة شعرية، فالذات لا تقف في مهبّ العتمة بل في مهبّ النور أي إنها معرّضة للانكشاف وللاحتراق المعرفي ولعنف الحقيقة نفسها وهنا يصبح النور قوة قَلِقة لا خلاصًا نهائيًا. __ البعد الوجودي إذ يوحي العنوان بذات شعرية معلّقة بين الرغبة في الفهم والخوف من نتائجه وهي تتعرّض للنور بوصفه امتحانًا لا يقينًا إذ تعيش قلق السؤال أكثر مما تطمئن إلى الجواب إنه عنوان يشي بـوجود مأزوم واعٍ بذاته لا يطلب الخلاص بل يختبر حدوده __ البعد الجمالي والشعري: إن النور هنا ليس عنصرًا وصفيًا بل محرّكًا للكتابة والوقوف «في مهبّ» النور يعني أن القصيدة نفسها تُكتب تحت ضغط الرؤيا وتحت خطر التعرّي اللغوي وهنا يتضح لنا أن هذا العنوان يلمّح إلى شعر يقوم على الومضة والكشف واللحظة المتوترة لا على السرد المطوّل أو اليقين الخطابي __ دلالة القوس «(عتبات شعرية)» إن الإشارة إلى «العتبات» تحيل بوضوح إلى ما حدده الباحث (Gérard Genette) من مفاهيم توحي بأن النصوص ليست غايات مكتملة بل مداخل وإشارات أو شرفات على معنى أكبر وكأن الديوان يدعو القارئ إلى العبور لا الاكتمال وإلى المشاركة في بناء الدلالة العتبة هنا ليست مجرد مقدّمة بل استراتيجية كتابة تقوم على الانفتاح والتأجيل. __ البعد التأويلي العام : إن العنوان الذي اختاره الشاعر لديوانه في مجمله يهيّئ القارئ لشعر يبدو قلقا تأمليا كاشفا غير مطمئن يؤسس لتجربة شعرية ترى في النور سؤالًا لا جوابًا وهو يعلن منذ البداية انحياز الديوان إلى الشعر بوصفه تجربة معرفية ووجودية لا زينة لغوية «في مهبّ النور (عتبات شعرية)» عنوان يقوم على مفارقة دلالية خلاقة فهو يشي بذات شعرية معرّضة للحقيقة لا محتمية بها وهكذا يقدّم الديوان بوصفه فضاء عبور وتأمل لا خطابًا مغلقًا وهو بذلك عنوان حقق الدلالة والمعنى من حيث الشعرية بما حمله من عمق فلسفي وجاذبية التأويل وكأن الشاعر " محمد سعيد المقدم " يقدم رؤية متكاملة ومتعددة الطبقات لعمله في رحلة تأملية يخوضها تسعى للاقتراب من حقيقة أو جوهر شعري يرمز له ب " النور" يأخذنا إلى بعد صوفي روحي حيث تكون القصائد بمثابة "عتبات شعرية " قد تقود القارئ نحو تجربة تتجاوز المادة إلى المعنى.
ب__ في دلالات الإهداء وأبعاده:
كشف لنا الإهداء في ديوان "في مهب النور" عن عتبة نصيّة شديدة الكثافة لا تؤدي وظيفة الشكر أو التقديم فحسب بل تؤسس منذ البداية للأفق الوجداني والرمزي الذي ستتحرك داخله القصائد فالإهداء هنا يبدو امتدادًا للشعر ذاته إذ تتداخل فيه اللغة الحميمية بالرؤية الوجودية والخيال البحري الذي يطبع الديوان كله إن افتتاح الإهداء بالأم والأب يحمل دلالة الجذور الأولى فهما يمثلان أصل الوجود والذاكرة والدفء الأول الذي تتكوّن منه الذات الشاعرة ومن ثمّ فإن الشاعر يربط تجربته الشعرية بمصدرها الإنساني العميق وكأن الكتابة ليست انفصالًا عن العائلة بل عودة إليها بصيغة رمزية فالأم والأب هنا ليسا شخصين فقط بل هما استعارة للبداية والأمان والهوية الأولى ثم ينتقل الإهداء إلى الزوجة وهو ةانتقال يكشف تطور دائرة الانتماء من الأصل إلى الشراكة الوجودية فالزوجة تبدو في هذا السياق رفيقة الرحلة وسط “مهب النور” أي شريكة العبور في عالم القلق والحلم والأسئلة أما تخصيص الابنة “نور” بمقطع مستقل في منتهى الشعرية فيمنح الإهداء بعدًا جماليًا وإنسانيًا بالغ الرهافة إذ تتحول الطفلة إلى طاقة كونية قادرة على إعادة تشكيل الطبيعة نفسها فضحكتها تجعل “الموج يرتبك” وقفزتها تشبه السمكة وهي صورة تربط الطفولة بالماء والحرية والعفوية كما أن قول الشاعر إنها “تعلم البحر كيف يكون الطفح فرحًا” يجعل البراءة الإنسانية أسبق من البحر نفسه في معرفة الفرح وكأن الطفولة تمتلك قدرة خلاصية تعيد إلى العالم نقاءه الأول ويلاحظ أن اسم الابنة “نور” يتجاوز كونه اسمًا شخصيًا ليغدو عنصرًا رمزيًا متصلاً بعنوان الديوان نفسه فالنور هنا ليس ضوءًا ماديًا فقط بل هو قيمة وجودية تقاوم العتمة والخذلان لذلك تبدو الابنة تجسيدًا حيًّا لفكرة النور التي تهب الديوان معناه الداخلي، أما القسم الأخير من الإهداء فيفتح النص على أفق إنساني وجماعي أوسع فقوله: “إلى الذين يصغون لصوت القوارب في عروقهم” يحول البحر من عنصر طبيعي إلى قدر داخلي يسكن الإنسان فالقوارب هنا ترمز إلى الترحال والحنين والبحث الدائم عن ضفة أخرى وكأن الشاعر يهدي ديوانه إلى الأرواح القلقة التي لا تكف عن الحلم والعبور وكذلك فإن “الرياح التي لم تتعب من نداء الراحلين” تمنح الرحيل بُعدًا أسطوريًا إذ يصبح النداء الأبدي للإنسان نحو المجهول والحلم والحرية، ثم يبلغ الإهداء ذروته الشعرية والوجودية في قوله: “إلى طفل بداخلي لا يكف عن الحلم” فهنا يعترف الشاعر بأن مصدر الكتابة الحقيقي هو ذلك الطفل الداخلي الذي ما يزال يقاوم قسوة الواقع بالخيال والدهشة. إن الطفولة في هذا السياق ليست مرحلة عمرية بل حالة روحية تحفظ للإنسان قدرته على الحلم أما العبارة الأخيرة في الإهداء: “إلى من قرأ هذه الصفحات كما لو كان يتذكر شيئًا نسيه منذ الخلق” فهي من أكثر عبارات الإهداء عمقًا وإيحاءً لأنها تجعل القراءة فعل تذكّر لا فعل اكتشاف فالشاعر يوحي بأن الشعر لا يخلق المعنى من العدم بل يوقظ في الإنسان معرفة قديمة دفينة كأن القصيدة تعيد القارئ إلى ذاكرة أولى سابقة على الزمن ذاته وهنا يقترب الشعر من الرؤية الصوفية التي ترى أن المعرفة الحقيقية كامنة في أعماق الإنسان وما الكتابة إلا وسيلة لإيقاظها وبذلك يتحول الإهداء في الديوان من نص موازٍ بسيط إلى خلاصة رمزية مكثفة لعالم في مهب النور كله حيث تتعانق الأسرة والبحر والطفولة والنور والحلم والذاكرة في شبكة دلالية واحدة تجعل الشعر بحثًا دائمًا عن الإنسان الأول الكامن داخلنا.
ج__في دلالات التصدير وأبعاده:
حمل التصدير أبعادًا رمزية وجمالية عميقة تنسجم بوضوح مع أفق الديوان «في مهبّ النور» إذ يؤسس منذ البداية لعالم شعري يقوم على الحلم والكشف والحنين إلى المطلق فـ«قعر البحر» يحيل إلى العمق الباطني واللاوعي والأسرار الدفينة بينما تمثل «المرآة» فعل التأمل واكتشاف الذات وكأن الشاعر يدعو إلى رحلة نزول داخلي بحثًا عن حقيقة خفية أمّا «وجه طفل كالموسيقى» فيرمز إلى البراءة الأولى والنقاء الروحي والصفاء الأصلي الذي لم تفسده قسوة الواقع لذلك لا يفتر عن «قول النور» أي عن التمسك بالحلم والإشراق والمعنى كما أن عبارة «ربما حلم في حلم.. أو ربما فردوس مفقود» تضيف بعدًا وجوديًا وصوفيًا إذ تجعل النور مرتبطًا بالحنين إلى حالة مثالية ضائعة أشبه بفردوس روحي أو حقيقة متعذّرة المنال وهنا يتحول التصدير إلى عتبة تأويلية تكشف أن الديوان لن يتعامل مع النور بوصفه يقينًا جاهزًا بل باعتباره بحثًا دائمًا عن المعنى والجمال والخلاص ومن هنا فقد بدا لنا أن هذا التصدير يؤدي وظيفة مزدوجة: __جمالية لأنه يهيئ القارئ لخطاب شعري قائم على الصورة والحلم والرمز. __تأويلية لأنه يختزل الرؤية العامة للديوان القائمة على التوتر بين الانكشاف والحنين والبحث عن نور داخلي مفقودأ__البحر كمعادل نفسي وفلسفي:
يؤكد لنا المحور الخامس"ماء يمر من حلمي" أن البحر في ديوان «في مهبّ النور» ليس مجرد عنصر طبيعي أو فضاء جمالي بل هو البنية الرمزية الكبرى التي تتشكل داخلها أزمة الذات وأسئلتها الوجودية فالشاعر هنا يذهب أبعد من توصيف البحر ليجعله معادلًا نفسيًا وفلسفيًا للهوية والغياب والحلم والانمحاء. ففي قوله في ص 88: «أكتب على زبد البحر / اسمي الجديد / وأغسله فورًا / لئلا أتذكرني» تظهر رغبة واضحة في محو الهوية القديمة والتخفف من ثقل الذات والذاكرة غير أن الكتابة على «زبد البحر» توحي منذ البداية بهشاشة الاسم واستحالته فالزبد رمز الزوال والعابر وكأن الذات تحاول إعادة خلق نفسها ثم تمحو هذا الخلق فورًا خوفًا من العودة إلى الألم أو إلى صورة سابقة من الذات هنا تتحول الكتابة إلى فعل محو لا تثبيت. أما قوله: «كل شيء على الساحل / يشبه لحظة / كادت تتحول إلى نبوءة» فيمنح الساحل دلالة حدّية فهو منطقة بين البحر واليابسة بين اليقين والتيه بين الواقع والحلم لذلك تبدو الأشياء فيه معلّقة في حالة توتر واحتمال وكأن العالم كله يعيش على حافة كشف لم يكتمل، وأما في قوله في ص 89 : «ثمة غريق في داخلي... ويحلم / بأنه الأرض» تتجلى واحدة من أعمق صور الديوان فالغريق هنا ليس جسدًا في الماء بل ذات داخلية مأزومة فقدت ثباتها الوجودي لكنه رغم غرقه يحلم بأن يكون «الأرض» أي الثبات والجذر واليقين إنها مفارقة تكشف توق الذات إلى الاستقرار في عالم محكوم بالسيولة والاضطراب ثم تأتي العبارة في ص 90 «البحر لا يحتاج إلى باب / هو عتبة كل غياب» لتكثف البعد الفلسفي للديوان فالبحر هنا فضاء مفتوح على اللانهاية لا حدود له ولا أبواب ولذلك يصبح رمزًا للغياب الأبدي والتيه الإنساني الذي «لم تخلق له نهاية» كما أن لفظة «عتبة» تتقاطع بذكاء مع عنوان الديوان الفرعي «عتبات شعرية» وكأن البحر نفسه عتبة كبرى للعبور نحو المجهول أو نحو الذات. أما المقطع الأخير في ص 91 : «آخر قارب خرج من صدري / كان أنا...» فيبلغ ذروة التماهي بين الذات والبحر فالقارب لم يعد وسيلة سفر بل صورة للذات نفسها وهي تغادر ذاتها واللافت أن الشاعر ما يزال «يلوّح له من الحلم» بما يوحي بانقسام داخلي بين ذات راحلة وأخرى باقية في منطقة الانتظار والحنين لقد كشفت هذه المقاطع التي اعتمدناها أن شعرية البحر عند الشاعر تقوم على تسييل الهوية وعدم ثباتها وتحويل البحر إلى فضاء للذاكرة والغياب وربط الحلم بالتيه لا بالخلاص وجعل الكتابة نفسها فعل عبور ومحو دائمين. لذلك يبدو البحر في هذا الديوان أقرب إلى قدر وجودي منه إلى مشهد طبيعي إنه صورة الإنسان القلق الذي يبحث عن نفسه في المجهول ويظل معلقًا «في مهبّ النور»ب__البحر كمرآة للذات المتشظية: يكشف المحور السادس «حين يتكلم الغرق» عن انتقال التجربة الشعرية في الديوان من مجرد التأمل في البحر إلى نوع من التماهي الوجودي الكامل مع الغرق بوصفه حالة نفسية وفلسفية فالغرق هنا لا يحيل إلى الموت الفيزيائي فقط بل إلى فقدان الهوية والتشظي الداخلي والبحث المؤلم عن معنى للذات ففي قوله في ص 95: «كنت أخلع ملامحي / وألبس جسدًا / يشبه التيه» تبدو الذات وكأنها تتخلى عن هويتها القديمة لتدخل في حالة سيولة وجودية فـ«خلع الملامح» يوحي بالرغبة في محو الأقنعة أو الهروب من صورة الذات الثابتة بينما يصبح «التيه» جسدًا يُرتدى أي قدَرًا وجوديًا تعيشه الذات لا مجرد حالة عابرة. أما قوله في ص 96 : «البحر لا ينسى... / لكنه يدفن الذكرى» فيمنح البحر وظيفة الذاكرة الكبرى غير أن هذه الذاكرة لا تُظهر ما تحتفظ به بل تطمره مثل «صدفة تغني من دون فم» وهي صورة شديدة الشعرية توحي بذكريات صامتة مدفونة لكنها لا تكف عن الارتجاج في العمق فالصوت هنا موجود رغم غياب الفم كما أن الألم حاضر رغم الصمت وفي قوله في ص 97 : " أحيانا.. أشعر أني المد» تبلغ الذات ذروة التماهي مع حركة البحر إذ تصبح كائنًا متحولًا يأتي ويغيب ويترك وراءه آثارًا لا يفهمها تمامًا وهذا يكشف قلقًا وجوديًا عميقًا فالشاعر لا يملك يقينًا بهويته أو بما يخلّفه في الحياة وكأن الإنسان نفسه موجة عابرة لا تدرك معنى مرورها ثم تأتي صورة: «كان قلبي / مجدافًا مكسورًا / يحاول أن يعبر إلى الحياة» لتكثف مأساة الذات فالقلب الذي يفترض أن يكون مصدر الحياة يتحول إلى أداة عبور معطوبة لذلك تبدو الحياة هنا شاطئًا بعيدًا ومحاولة الوصول إليها محفوفة بالعجز والانكسار. وتأتي خاتمة المحور بقوله في ص 104 : «أنا القصيدة التي نجت / من أفواه النائمين» حيث تتمثل لحظة تعريف شعري وفلسفي للذات إذ لا يعرّف الشاعر نفسه باعتباره إنسانًا أو اسمًا بل باعتباره «قصيدة» وتغدو النجاة هنا ليست من الغرق فقط بل من الصمت والتكرار والخمول الذي ترمز إليه «أفواه النائمين» وكأن القصيدة هي الشكل الوحيد الممكن للخلاص لأنها وحدها قادرة على مقاومة النسيان والغياب ومن ثمّ فإن هذا المحور يؤكد أن الغرق في الديوان حالة وعي لا مجرد حادث حين يتحول البحر إلى مرآة للذات المتشظية وتصبح الكتابة محاولة نجاة رمزية بينما تتأسس الهوية الشعرية على القلق والتيه والانفصال عن العالم الساكن، لذلك بدا الشاعر هنا كأنه يعيد خلق نفسه داخل اللغة لا بوصفه فردًا عاديا بل بوصفه «قصيدة نجت» من الغيابج__ البحر كاستعارة للوجود :
يكشف المحور السابع «مرآة اليم» عن بلوغ التجربة الشعرية في الديوان مستوى أكثر كثافةً وتجريدًا حيث يتحول البحر من رمز للتيه والذاكرة إلى مرآة ميتافيزيقية للتأمل في الوجود واللغة والهوية فـ«اليم» هنا ليس ماءً فحسب بل هو فضاء كشفٍ روحي ومعرفي تتلاشى داخله الحدود بين الذات والعالم وقد استهله الشاعر بالقول ص 107: «كنت أريد أن أكتب اسمي على الرمل / لكن الموج سبقني/ فكتبني على الغيب» نلاحظ انقلابًا جوهريًا في علاقة الشاعر بالكتابة فالذات لم تعد هي التي تكتب العالم بل أصبحت مكتوبة بقوة غامضة تتجاوزها كما أن الانتقال من «الرمل» إلى «الغيب» ينقل التجربة من مستوى الواقع العابر إلى أفق قدري وروحي وكأن البحر يعيد تشكيل هوية الشاعر داخل المجهول. أما قوله: «في الغوص / تتعلم خلع اللغة / والسباحة في المعنى» فيؤسس لرؤية صوفية للشعر والمعرفة إذ تصبح اللغة قيدًا ينبغي تجاوزه للوصول إلى الجوهر فالغوص هنا ليس فعلاً جسديًا بل رحلة داخل العمق الباطني حيث لا تعود الكلمات كافية ويصبح المعنى تجربة تُعاش لا خطابًا يُقال وتتأكد هذه الرؤية في قوله ص 111: «كان علي أن أغمض عيني / لأبصر الطريق» إذ تقوم المفارقة على أن البصيرة الحقيقية لا تتحقق بالنظر الخارجي بل بالرؤية الداخلية لذلك يصبح البحر كائنًا لا يكشف أسراره إلا لمن يتحرر من ظاهر الأشياء وهو ما يمنح النص بعدًا تأمليًا وصوفيًا واضحًا أما صورة البوصلة التي: «تدور حول نفسها / كأنها تسأل: أين أنا فيك؟» كما ورد في ص 112 فإنها تكشف ضياع أدوات اليقين التقليدية فالبوصلة التي يُفترض أن تهدي الطريق تبدو هي نفسها تائهة داخل البحر/الذات، وهنا يتحول البحر إلى كونٍ هائل تذوب داخله الحدود بين الأنا والمطلق. وفي قوله : «كل قارب / هو صلاة بلا لغة» يتحول الارتحال البحري إلى طقس روحي فالقارب لم يعد وسيلة عبور مادية بل فعل رجاء وتأمل وصلاة صامتة بما يوحي بأن الإنسان في رحلته الوجودية يبحث عن معنى يتجاوز اللغة ذاتها وأما السؤال الذي طرحه في ص 114: «هل البحر ذكر / أم أنثى؟» فلا يبدو سؤالًا بيولوجيًا بقدر ما هو تفكيك للثنائيات الجاهزة فالبحر هنا كينونة مطلقة عصية على التصنيف لذلك ينتهي الشاعر إلى اعتباره: «سؤالًا لا يحتمل جنسًا» أي حقيقة كونية مفتوحة تتجاوز الحدود والهويات المغلقة وتبلغ التجربة ذروتها في الخاتمة حين يقول: «أنا لا أكتب / بل أطفو / على سطح كتب قبل ولادتي» إذ يعلن الشاعر أن الكتابة ليست فعل خلق فردي خالص بل انخراط في نص كوني سابق للذات وأما «مداد طحالب الرؤيا» فيوحي بأن هذا النص مكتوب بمادة حلمية وغامضة تنتمي إلى العمق والحدس أكثر من العقل والمنطق إن محور «مرآة اليم» يكشف انتقال الديوان نحو : _شعرية ذات نزعة صوفية وتأملية ترى البحر مرآةً للغيب والمعنى، وتتعامل مع الكتابة باعتبارها كشفًا لا صناعة ومع الذات بوصفها كائنًا يعبر داخل سؤال كوني مفتوح لذلك يبدو هذا المحور من أكثر محاور الديوان عمقًا من الناحية الفلسفية والرمزية لأنه يحوّل البحر إلى استعارة كبرى للوجود نفسهد__الماء كرمز للأصل والذاكرة والهوية:
يكشف المحور الثامن «ذاكرة الماء» عن تعميق الشاعر لعلاقته الرمزية بالماء بحيث لم يعد البحر مجرد فضاء خارجي أو معادل نفسي بل أصبح أصلًا وجوديًا وذاكرة كونية تسكن الذات منذ لحظة الميلاد وهنا يقترب الديوان من تصور شعري وفلسفي يرى في الماء مادة الوجود الأولى وخزان الذاكرة العميقة ففي قوله صد119: «عندما أغلقت النافذة / دخل البحر / من شق صغير في القصيدة» تظهر استحالة عزل الذات عن البحر أو عن الكتابة فالنافذة المغلقة ترمز إلى محاولة الانكفاء أو الاحتماء لكن البحر يتسلل عبر «شق صغير في القصيدة» وكأن الشعر نفسه منفذ للكائن اللامحدود وهذا يؤكد أن الكتابة عند الشاعر ليست وصفًا للبحر بل عبورًا داخله أما قوله في ص 121: «الصخر / ذاكرة الماء / إذا نسي شكله» فيقوم على مفارقة شعرية عميقة تتمثل في أن الصخر يبدو نقيض الماء من حيث الصلابة والثبات لكن الشاعر يجعله أثرًا لذاكرة الماء وكأن كل ما يبدو ثابتًا ليس إلا شكلًا متجمدًا لحركة قديمة وهنا تتحول الطبيعة إلى سجلّ خفيّ للتحولات والزمن وفي قوله ص 123 «منذ شهقة الولادة / وأنا أبحث عن جهة البحر / في رئتي» يصبح البحر جزءًا من التكوين الأنطولوجي للذات ذلك أن البحث عن «جهة البحر» داخل الرئتين يوحي بأن الماء ليس خارج الإنسان بل يسكن أنفاسه الأولى وكأن الشاعر يحمل داخله حنينًا أصليًا إلى عنصره الأول أما تساؤله في ص 126: «هل الماء / يفهم ارتباكنا؟» فيكشف علاقة تأملية بين الإنسان والطبيعة فالذات لا تنظر إلى الماء كموضوع بل كمرآة وجودية تعكس قلقها وأسئلتها لذلك يأتي السؤال: «هل نحن مرآتك؟» ليؤسس لعلاقة تبادلية فكما يرى الإنسان صورته في الماء فقد يكون الماء أيضًا يرى ذاته في هشاشة الإنسان وتحولاته وتبلغ الرؤية ذروتها في الخاتمة في ص 127 حين يقرر قائلا «لست شاعرًا / أنا مجرد قطرة / وقعت في البحر / ولم تخرج» وهنا يعلن ذوبان الأنا الفردية داخل الكلّ الأكبر فالقطرة هنا رمز للذات التي فقدت حدودها الخاصة داخل بحر الوجود أو الشعر أو المطلق وهذه الصورة تمنح الديوان بُعدًا صوفيًا واضحًا حيث يتحقق المعنى لا عبر تأكيد الأنا بل عبر تلاشيها في الكل وهكذا فإن محور «ذاكرة الماء» يؤكد أن الماء في الديوان رمز للأصل والذاكرة والهوية العميقة حيث يتحول البحر إلى صورة للمطلق الذي تنصهر فيه الذات بينما تصبح الكتابة نفسها أثرًا من آثار هذا الاندماج الوجودي لذلك بدا لنا هذا المحور امتدادًا طبيعيًا لمسار الديوان لكنه كان أكثر ميلًا إلى التأمل الصوفي وإلى تذويب الحدود بين الإنسان والطبيعة واللغةه__ القصص القرآني كمعادل للقلق الإنساني المعاصر:
كشف لنا المحور التاسع «كتاب الغرقى» عن انتقال التجربة الشعرية في الديوان من البعد الوجداني والوجودي إلى أفق تناصي وروحي عميق حيث وظف الشاعر القصص القرآني لا بوصفه اقتباسًا زخرفيًا بل باعتباره بنية رمزية يعيد عبرها قراءة قلقه الداخلي وتجربته مع البحر والنجاة والغرق فمنذ قوله في ص 131: «في الفلك المشحون / ركبت قلقي / ولم أكن من الناجين» يستدعي الشاعر قصة سفينة نوح لكنه يقلب دلالتها فالفلك هنا لا يقود إلى الخلاص بل يحمل «القلق» وكأن الذات الحديثة فقدت يقين النجاة حتى وهي داخل سفينة الخلاص نفسها وهذا يكشف شعورًا وجوديًا بالعجز عن الوصول إلى الطمأنينة أما قوله في ص 132: «موسى مازال يضرب بعصاه قلبي» فيحوّل المعجزة القرآنية إلى تجربة داخلية فالعصا التي شقّت البحر أصبحت تشق القلب أي إن العبور لم يعد جغرافيًا بل نفسيًا وروحيًا. كما أن «احتمالات العبور» توحي بأن الخلاص لم يعد يقينًا بل مجرد احتمال هشّ وفي قوله: «التقمه الحوت / لكنه لم يهضم / الصرخة» يتداخل مصير الذات مع قصة يونس غير أن الشاعر يركز على «الصرخة» بوصفها جوهر الإنسان الذي لا يمكن ابتلاعه أو محوه فالغياب يبتلع الجسد لكن الصوت الداخلي يبقى حيًا يقاوم الفناء أما قوله في ص 135 :«الله الذي يسير لكم الفلك / لكن قلبي / مكسور الدفة» فيكشف توترًا بين الإيمان الإلهي والضعف الإنساني فالهداية ممكنة لكن الذات تظل عاجزة عن التحكم في اتجاهها الداخلي وهنا يصبح «القلب المكسور» رمزًا للإنسان التائه وسط بحر الوجود وفي قوله في ص 135«لا عاصم اليوم / إلا من قال للبحر: خذني لأعود إلي» يعيد الشاعر كتابة الآية القرآنية بمنظور صوفي ووجودي فالنجاة الحقيقية لا تتحقق بالهرب من البحر بل بالعودة عبره إلى الذات الأصلية وكأن الغرق هنا يتحول إلى طريق معرفة لا إلى هلاك فقط أما تواتر العبارات القرآنية في الصفحات 136 و137 و138 «مرج البحرين» «البحر المسجور» «إذا رج البحر رجًا» «وما بينهما برزخ»... فيمنح النص كثافة إيحائية عالية حيث يتحول البحر إلى رمز كوني للقيامة والفصل والحدود والرهبة كما أن هذه التضمينات تضفي على التجربة الشعرية طابعًا رؤيويًا يجعل البحر فضاءً مقدسًا تتداخل فيه النهاية بالبداية والخلق بالفناء وفي قوله في ص 239 : «وأغرقنا آل فرعون» يستدعي الشاعر رمز الطغيان والغرق العقابي لكن حضوره داخل «كتاب الغرقى» يوحي بأن الغرق ليس مصير الأشرار وحدهم بل هو قدر إنساني شامل يرتبط بالضعف والتيه والبحث عن النجاة وتأتي خاتمة هذا المحور بقوله في ص 140 «رأيت البحر / ينقلب غيمًا / ويظللني بشكي» لنبلغ ذروة التماهي بين الطبيعة والنفس فالبحر لم يعد ماءً فقط بل تحول إلى غيم أي إلى حالة سيولة وتحول دائم أما «الشك» فيصبح سحابة وجودية تظلّل الذات بدل أن تمنحها اليقين لقد كشف لنا هذا المحور أن التناص القرآني في الديوان يؤدي وظائف متعددة : _منح التجربة الشعرية عمقًا رمزيًا وروحيًا _حوّل القصص القرآني إلى معادل للقلق الإنساني المعاصر _كما جعل البحر فضاءً للامتحان والكشف والعبور الداخلي لذلك بدا محور «كتاب الغرقى» من أكثر محاور الديوان كثافةً من الناحية التأويلية لأنه يدمج بين الشعر والرمز الديني والتأمل الوجودي في صياغة رؤيا ترى الإنسان كائنًا معلقًا دائمًا بين الغرق والخلاصت __من الغرق إلى التأويل: مآل الرحلة:
يبدو المحور العاشر وهو الأخير من ديوان "في مهب النور" «دهشة الماء حين يصير هواء» بمثابة الذروة التأملية التي تنتهي إليها الرحلة الوجودية والوجدانية التي خاضها الشاعر عبر الديوان فإذا كانت المحاور السابقة قد انشغلت بالماء والبحر والمرافئ والريح والنور باعتبارها رموزا للحركة والبحث والقلق فإن هذا المحور الأخير يحوّل تلك العناصر إلى أفق فلسفي أكثر عمقا حيث يغدو الوجود نفسه سؤالا مفتوحا لا يقين فيه وإن قول الشاعر في صد143 : «الموجة الأخيرة لم تكن وداعا... بل ركوعا بطيئا لم نفعمه» يكشف أن النهاية ليست انقطاعا نهائيا بقدر ما هي حالة خضوع وتأمل وانكسار أمام سرّ الوجود فالموجة الأخيرة لا تؤدي وظيفة الوداع التقليدي بل تتحول إلى صورة صوفية أقرب إلى “الركوع” بما يحمله من دلالات الاستسلام للقدر أو للحقيقة الكبرى التي يعجز الإنسان عن الإحاطة بها ولذلك تبدو الرحلة هنا انتقالا من وهم السيطرة إلى الاعتراف بالعجز الإنساني أمام اتساع البحر/الكون ويتعزز هذا القلق الوجودي في قوله في ص 144 : «لا أدري إن كنت أبحر أم أن السفينة تنام على كتفي؟» إذ تنقلب العلاقة بين الذات والرحلة فالشاعر لم يعد متيقنا إن كان فاعلا أم محمولا حرا أم موجها بقوى خفية وهذه الحيرة تمثل لحظة فلسفية عميقة يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الإنسان ومصيره بين الذات وأدواتها في فالسفينة التي كانت وسيلة لعبور العالم تصبح عبئا وجوديا “ينام على كتفيه”، وكأن الرحلة لم تعد فعلا إراديا بل قدرا يلازم الإنسان أينما ذهب أما قوله في ص 148: «البحر هو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يبكيك بلا صوت» فيمنح البحر بعدا نفسيا وروحيا خالصا إذ يغدو فضاء للتطهر الداخلي والصمت الوجودي فالبكاء هنا ليس انفعالا مباشرا، بل تجربة شعورية عميقة تتجاوز اللغة والصوت والبحر في هذا السياق ليس مجرد عنصر طبيعي بل مرآة للذات القلقة التي تكتشف هشاشتها أمام اتساع العالم وغموضه وتبلغ التجربة ذروتها الفلسفية في قوله: «كان علي أن أغرق لأفهم أن النجاة غالبا مجرد ملح مؤجل» فهنا تتحول تجربة الغرق من معناها الواقعي إلى معنى معرفي ووجودي إذ لا يتحقق الفهم إلا عبر الألم والانكسار أما “النجاة” فلا تقدم بوصفها خلاصا نهائيا بل باعتبارها تأجيلا مؤقتا للمعاناة ومن ثم يبدو الإنسان في هذا الديوان كائنا محكوما بالدوران داخل قلقه لا يملك يقينا مطلقا وإنما يواصل العبور رغم إدراكه لهشاشة النجاة ذاتها. وتأتي الومضات الثلاث الأخيرة لتكثف الرؤية الشعرية والفلسفية للديوان بأكمله ففي قوله في ص 149 : «صوت البحر هو أول لغة لم نترجمها بعد» يصبح البحر رمزا للحقيقة الأولى أو السر الكوني الذي يعجز الإنسان عن فك شفراته فاللغة البشرية تبدو عاجزة عن ترجمة العمق الوجودي الذي يختزنه البحر ولذلك يظل هذا الأخير فضاء للغموض والتأويل المفتوح. أما قوله: «حين أغلق عيني تبدأ المرافئ في سرد سيرتها الذاتية» فيجعل من الذاكرة كيانا حيا فالمرافئ ليست أماكن جامدة بل ذاكرات للرحيل والانتظار والفقد.ة وإغلاق العين هنا ليس انقطاعا عن العالم بل انفتاح على الداخل حيث تستعيد الذات رحلتها الوجدانية بكل ما فيها من حنين وانكسارات ثم تأتي الومضة الأخيرة في قوله : «من لم يحلم مرة أنه قنديل لن يعرف كيف يهتدي في العتمة اللينة» لتمنح الديوان خاتمته الرمزية الكبرى فالقنديل يمثل النور الداخلي الذي يحتاجه الإنسان لعبور عتمة الوجود غير أن هذه العتمة ليست مرعبة تماما بل “لينة” وكأن الشاعر انتهى إلى مصالحة هادئة مع القلق الإنساني وإلى قناعة بأن الحلم وحده هو ما يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في التيه ومن هنا يمكن فهم علاقة هذه المقاطع بقول الشاعر: «كل موجة هي سورة تنتظر تأويلا من غريق نجا صدفة» إذ تختزل هذه الصورة جوهر الديوان كله فالحياة أشبه ببحر من العلامات والإشارات التي تحتاج إلى تأويل دائم والإنسان ليس سوى “غريق نجا صدفة” يحاول أن يمنح معنى لعبوره المؤقت في هذا العالم وهكذا تنتهي الرحلة الوجودية والوجدانية في الديوان لا إلى يقين نهائي بل إلى وعي فلسفي قائم على السؤال والتأمل والإنصات لأسرار البحر بوصفه رمزا للحياة والذات والمصير5__على سبيل الخاتمة :
يمكن القول في ختام هذه الدراسة إن ديوان "في مهب النور" للشاعر " محمد سعيد المقدم" قد قام على منطق شعري قوامه التحول الدائم من العتمة إلى الإضاءة ومن التشتت إلى لحظة انكشاف رمزي يعيد للذات توازنها داخل العالم فقد بدا "الماء" في مختلف تجلياته علامة على السيولة والارتجاج والبحث بينما مثّل "النور" أفقًا للوعي وإعادة بناء المعنى غير أن هذا التحول لا يتحقق بوصفه مسارًا خطيًا بل يتأسس داخل تجربة وجودية معقدة قوامها السؤال والشك والتأمل حيث يخوض الشاعر رحلة مستمرة في البحث عن ذاته داخل الكون متسائلًا عن حقيقتها وحدودها وإمكان حضورها وهي رحلة تجعل من الكتابة الشعرية فضاءً لـتفكيك الهوية أكثر مما هي تثبيتها إذ تتبدى الذات بوصفها كيانًا متحركًا لا يكتمل إلا عبر التوتر بين الانمحاء والتجلي وفي هذا السياق يكتسب حضور ضمير المتكلم "أنا" دلالة محورية إذ لا يؤدي وظيفة إخبارية أو اعترافية بسيطة بل يتحول إلى بنية خطابية مركزية تؤسس لما يمكن تسميته بـ"شعرية الذات المقلقة" فـ"الأنا" هنا ليست ذاتًا مكتملة بل ذاتًا مفتوحة على الانشطار وإعادة التشكيل وهو ما ينسجم مع تصورات النقد الحديث حول الذات بوصفها بناءً لغويًا متحولًا كما هو الحال عند المحلل النفسي والفيلسوف الفرنسي " جاك لاكان" في مفهوم" تشظي الأنا أو عند الفيلسوف الفرنسي الذي اشتهر بفلسفة التأويل (الهرمنيوطيقا) "بول ريكور " في الهوية السردية" ومن منظور سيميائي يمكن القول إن تكرار "أنا" يخلق تمركزًا دلاليًا يجعل من الخطاب الشعري خطابًا ذاتيًا بامتياز غير أن هذا التمركز نفسه ينفتح على الغياب واللايقين بحيث تغدو الذات علامة تبحث عن مرجعها داخل النص لا خارجه أما من منظور تفكيكي والذي يمثله الفرنسي المؤسس لمنهج" التفكيك" باتجاهه الفلسفي النقدي التحليلي وكشف تناقضات النصوص الخفية وإعادة قراءة المعاني "جاك دريدا " فإن هذه الأنا لا تحيل إلى حضور ثابت بل إلى أثر لغوي يتشكل باستمرار عبر الاختلاف والإرجاء ومن هنا لا بد من أن نقر بأن ديوان"في مهب النور" لا يُقرأ بوصفه مجرد تجربة جمالية بل بوصفه رحلة أنطولوجية في مساءلة الذات والوجود حيث يتحول الشعر إلى أداة تفكير في الكينونة وإلى ممارسة تأملية تجعل من السؤال جوهرًا للكتابة ومن الشك شرطًا لإنتاج المعنى وهكذا يتأكد لدينا أن العبور من الماء إلى النور ليس انتقالًا مكانيًا أو رمزيًا فحسب بل هو أيضًا عبور من ذات متوترة إلى أفق وجودي مفتوح على إمكانات لا نهائية للفهم والتأويل.
