سلسلة :كَوْنٌ فِي حَيِّزٍ ضَيِّقٍ. 3. الوَهَنُ
هَلِ الوَهْنُ فِعْلٌ إِرَادِيٌّ؟
وَهَنَ،
يَهِنُ،
فَهُوَ وَاهِنٌ.
وَهَنَ: اشْتَدَّ ضَعْفُهُ.
أَيُّ ضَعْفٍ اشْتَدَّ؛ ضَعْفُ الجَسَدِ أَمْ ضَعْفُ الرُّوحِ؟
وَهَنَ أَيْ وَضَعَ نَفْسَهُ رَهْنَ الوَضْعِ الحَالِيِّ فَوَهَنَ فِي مُوَاجَهَتِهِ، وَالوَاهِنُ خَاسِرٌ، وَالخَاسِرُ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ قَاصِدُ الفِعْلِ، إِذًا الوَاهِنُ وَهَنَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ، فَاعِلٌ لَيْسَ مَفْعُولًا مِثْلَ مَهْزُومٍ، وَلَيْسَ مُنْفَعِلًا مِثْلَ مُنْكَسِرٍ.
الوَهَنُ وَهَنُ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَلَيْسَ وَهَنَ الجَسَدِ، فَالجَسَدُ إِنْ وَهَنَ مَرِضَ، وَإِنْ هَرِمَ وَهَنَ... وَلِأَنَّ الجَسَدَ وِعَاءٌ ضَيِّقٌ لِكَوْنٍ فَسِيحٍ هِيَ الرُّوحُ، فَالوَهَنُ لَا يُصِيبُ الجَسَدَ الهَرِمَ إِلَّا بِإِرَادَةِ الوَاهِنِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ لَيْسَ كُلَّ إِنْسَانٍ هَرِمٍ وَاهِنًا، فِي حِينِ كُلُّ إِنْسَانٍ وَاهِنٍ فِي لَحْظَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِهِ هَرِمٌ.
أَلَا نُلَاحِظُ أَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ تَهْزِمُهُ التَّفَاصِيلُ يَبْدُو كَهَرِمٍ مَهْمَا كَانَ سِنُّهُ وَمَهْمَا كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ، وَالهَرِمُ غَيْرُ الوَاهِنِ... قَوِيُّ النَّفْسِ تَجِدُهُ شَبَابًا فِي كُلِّ تَفَاصِيلِهِ، حَيًّا فِي كُلِّ تَحَرُّكَاتِهِ، نَابِضًا فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، إِرَادَتُهُ أَصْلَبُ مِنَ الفُولَاذِ... هُوَ هَرِمٌ نَعَمْ، لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاهِنٍ.
أَلَا نُلَاحِظُ أَنَّ الإِنْسَانَ الوَاهِنَ مَكْسُورٌ دَوْمًا، ضَعْفٌ فِي مُوَاجَهَةِ نَفْسِهِ وَوَهَنٌ أَمَامَ مِرْآتِهِ، فَاسْتَقْوَتْ عَلَيْهِ التَّفَاصِيلُ كَسَرَتْهُ هَشَّمَتْهُ... الوَاهِنُ مُرَاهِنٌ خَاسِرٌ إِذًا، مُرَاهِنٌ عَلَى خِيَارَاتٍ كُلُّهَا خَاسِرَةٌ... لَيْسَ عَيْبٌ فِي الخِيَارَاتِ ذَاتِهَا دَوْمًا، وَلَكِنَّهَا عَيْبًا فِي الوَاهِنِ.
وَالوَاهِنُ تَارِكٌ لَا مَتْرُوكٌ، مُتَخَلٍّ عَنْ وَلَيْسَ مُتَخَلًّى عَنْهُ... تَارِكٌ لِسُبُلِ القُوَّةِ، مُتَخَلٍّ عَنْ رُوحِهِ وَنَفْسِهِ؛ لَا مَتْرُوكٌ مِنْهَا، فَالقُوَّةُ لَيْسَتْ شَيْئًا مَادِّيًّا إِنَّمَا مَعْنًى، وَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالمَعْنَى وَجَدَ نَفْسَهُ فِيهِ؛ كَمَا المُحِبُّ مُحِبٌّ لِأَنَّهُ قَصَدَ الحُبَّ، وَالعَاشِقُ عَاشِقٌ لِأَنَّهُ اخْتَارَ العِشْقَ، وَالرَّافِضُ رَافِضٌ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الرَّفْضَ... الحَيَاةُ مَعَانٍ نَنْفَعِلُ بِهَا فَتَتَفَاعَلُ فِينَا، نَقْصِدُهَا فَتَأْتِي لَنَا كَمَا نَقْصِدُهَا، نَتَّجِهُ إِلَيْهَا طَوَاعِيَةً فَتَأْتِي لَنَا كَمَا نُرِيدُ... الوَاهِنُ إِذًا حُرٌّ فِي اخْتِيَارِهِ... اخْتَارَ الوَهَنَ وَتَرَكَهُ يَتَسَلَّلُ إِلَى نَفْسِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الوَهَنَ مُرْشِدُهُ وَدَلِيلُهُ.
صَرْخَةٌ فِي وَجْهِ مَنْ خَالَ أَنَّ الوَهَنَ ضَعْفٌ مُجْبَرٌ عَلَيْهِ الفَرْدُ... أَنْتَ مَنِ اخْتَارَ... وَالسُّؤَالُ أَطْرَحُهُ عَلَى نَفْسِي قَبْلَهُ: وَبَيْنَمَا اكْتَشَفْتُ أَنَّ الوَهَنَ إِرَادَةٌ فَأَيَّ إِرَادَةٍ أَخْتَارُ لِنَفْسِي؟!
وَأَيَّ قَفَصٍ ضَيِّقٍ وَضَعْتُ فِيهِ رُوحِي، وَأَيَّ ضَغْطٍ هَذَا عَلَى نَفْسِي أُمَارِسُهُ بِاخْتِيَارِيَ الضَّعْفَ وَقَدْ وَهَبَنِي اللهُ القُوَّةَ... نَعَمْ القُوَّةَ؛ قُوَّةَ الرُّوحِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي كَوْنِهَا كَوْنًا وَاسِعًا شَاسِعًا مُتَّصِلًا لَا انْفِصَالَ فِيهِ، تَسْكُنُ حَيِّزًا ضَيِّقًا لِبِضْعِ سِنِينَ قَدْ تَطُولُ أَوْ تَقْصُرُ...
كَيْفَ لِي أَنْ أُهِينَ كَوْنًا وَهَبَهُ اللهُ لِي وَحْدِي بِاسْتِسْلَامِي لِضَعْفٍ أَنَا صَانِعُهُ؟!
#أحمد_الخالد
#مجتمع #أوراق #أدب #فلسفة
11 مشاهدة