ومضة كنانية | بيدقٌ على رقعةِ إبليس
”مِنَ المُؤْلِمِ أَنْ تَكُونَ بَيْدَقًا يَتَلَاعَبُ بِهِ إِبْلِيسُ عَلَى رُقْعَتِهِ كَيْفَمَا شَاءَ، وَيُصِيبُ بِهِ الخَطَايَا مَتَى شَاءَ، فَلَا أَنْتَ تَدْرِي أَيْنَ يَضَعُكَ، وَلَا أَنْتَ تَعْقِلُ لِمَاذَا يَدْفَعُكَ، وَلَا أَنْتَ تَفْقَهُ أَنَّكَ لَسْتَ إِلَّا أَدَاةً فِي يَدِ عَدُوِّكَ.
وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَحْسَبَ أَنَّكَ سَيِّدُ أَمْرِكَ، وَمَالِكُ زِمَامِ نَفْسِكَ، وَأَنَّكَ تَخْطُو بِإِرَادَتِكَ، وَتَخْتَارُ بِعَقْلِكَ، وَتُصِيبُ بِحِكْمَتِكَ؛ وَمَا أَنْتَ فِي الحَقِيقَةِ إِلَّا أَسِيرُ شَهْوَةٍ، أَوْ عَبْدُ غَضَبٍ، أَوْ صَرِيعُ كِبْرٍ، أَوْ ضَحِيَّةُ حِقْدٍ، قَدْ أَحْكَمَ الشَّيْطَانُ عَلَيْكَ مَدَاخِلَهُ، وَأَغْلَقَ دُونَ بَصِيرَتِكَ مَسَالِكَهُ، حَتَّى صِرْتَ تَحْسَبُ المَعْصِيَةَ شَجَاعَةً، وَالفُجُورَ حُرِّيَّةً، وَالانْتِقَامَ عَدْلًا، وَالتَّعَالِيَ كَرَامَةً، وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا أَغْلَالٌ تُحْكِمُهَا عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْتَ تَحْسَبُ أَنَّكَ تَتَحَرَّرُ مِنْهَا.
يَا لَلْخَيْبَةِ! أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ مَا لَيْسَ لَهُ فِي غَيْرِكَ، وَأَنْ يَجِدَ فِي نَفْسِكَ مِنَ المَطَامِعِ مَا يَسْتَغِلُّهُ، وَمِنَ الثَّغَرَاتِ مَا يَنْفُذُ مِنْهُ، وَمِنَ الأَهْوَاءِ مَا يَتَّخِذُهُ سُلَّمًا إِلَى مَا يُرِيدُ؛ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَجُرَّكَ إِلَى المَعْصِيَةِ جَرًّا، مَا دُمْتَ أَنْتَ تَسْعَى إِلَيْهَا بِقَدَمَيْكَ، وَلَا إِلَى أَنْ يُلْقِيَكَ فِي الهَلَاكِ، مَا دُمْتَ أَنْتَ تَحْفِرُ لِنَفْسِكَ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ تَقِفُ عَلَى حَافَّتِهَا مُعْجَبًا بِحِذْقِكَ، مُغْتَرًّا بِقُوَّتِكَ، حَتَّى إِذَا سَقَطْتَ، لَمْ تَجِدْ يَدًا تَمُدُّهَا إِلَيْكَ، وَلَا صَوْتًا يُجِيبُ اسْتِغَاثَتَكَ.
وَلَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى المَرْءِ مِنْ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ، إِلَّا ذَنْبٍ يُزَيَّنُ لَهُ حَتَّى يَسْتَحْسِنَهُ، وَيَأْلَفُهُ حَتَّى يَسْتَثْقِلَ التَّوْبَةَ مِنْهُ، وَيُدَافِعُ عَنْهُ حَتَّى يَصِيرَ خَصْمًا لِلنَّاصِحِينَ، وَيَتَّخِذَ مِنَ التَّبْرِيرِ دِرْعًا، وَمِنَ المُكَابَرَةِ حِصْنًا، وَمِنَ اتِّهَامِ النَّاسِ مَهْرَبًا مِنْ مُوَاجَهَةِ نَفْسِهِ؛ كَأَنَّمَا يَخْشَى أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُ مِنْ قُبْحِ نَفْسِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى احْتِمَالِهِ.
وَإِنَّمَا المَرْءُ حُرٌّ مَا مَلَكَ زِمَامَ نَفْسِهِ، وَعَرَفَ مَوَاضِعَ ضَعْفِهِ، وَوَقَفَ عِنْدَ حُدُودِ رَبِّهِ؛ فَإِذَا اسْتَسْلَمَ لِهَوَاهُ، وَاسْتَرْخَى لِوَسْوَسَتِهِ، وَجَعَلَ مِنْ شَهَوَاتِهِ قَائِدًا، وَمِنْ غَضَبِهِ حَاكِمًا، وَمِنْ كِبْرِهِ مِيزَانًا لِلْحَقِّ وَالبَاطِلِ، فَقَدْ بَاعَ حُرِّيَّتَهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ قَلْبِهِ لِعَدُوٍّ لَا يَفْتُرُ عَنْهُ، وَلَا يَشْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزِيدُهُ انْقِيَادُهُ إِلَّا طَمَعًا فِي المَزِيدِ.
واحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُهُمُ الشَّيْطَانُ لِإِضْلَالِ غَيْرِهِمْ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ ضَلَالَةِ النَّفْسِ وَإِضْلَالِ النَّاسِ، وَيَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ وَأَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ، ثُمَّ يَرْحَلُونَ عَنِ الدُّنْيَا وَقَدْ تَرَكُوا خَلْفَهُمْ مِنَ الفِتَنِ مَا لَا يَعْلَمُها إِلَّا اللهُ.
وَتَذَكَّرْ أَنَّكَ لَسْتَ مُجْبَرًا عَلَى أَنْ تَكُونَ البَيْدَقَ الَّذِي يَتَلَاعَبُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَأَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ لَمْ يُغْلَقْ دُونَكَ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الحَقِّ لَيْسَ هَزِيمَةً، بَلْ هُوَ أَوَّلُ النَّصْرِ عَلَى النَّفْسِ؛ فَإِنَّ أَشْجَعَ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ، وَأَبْصَرَهُمْ مَنْ عَرَفَ مَكَامِنَ زَلَلِهِ، وَأَحْكَمَهُمْ مَنْ أَبَى أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَلَوْ فُتِحَ لَهُ بِهِ الدُّنْيَا كلُّها.
فَلَيْسَتِ المَأْسَاةُ أَنْ تَكُونَ بَيْدَقًا فِي يَدِ الشَّيْطَانِ فَحَسْبُ، بَلِ المَأْسَاةُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَظُنَّ أَنَّكَ المَلِكُ الَّذِي يُحَرِّكُ القِطَعَ!“

4 مشاهدة