فالحقُّ لِلشَّعبِ مهما عاثَ سَالِبُهُ والشَّعبُ إِن قال "حَقِّي" مَن سَيُنكِرُهُ؟!
عُمْرُ اليَمَانِيِّ في الأَسفَارِ يَنثُرُهُ
وما لَهُ مِنهُ إلّا ما يُبَعثِرُهُ
مُشَرَّدٌ فِي فَيَافِي الأَرضِ، يُفزِعُهُ
صَوتٌ يُنادِيهِ، أَو كَفٌّ تُحَذِّرُهُ
كم مَدَّ لِلَّيلِ كَفًّا، لا لِيَحمِلَهُ
بَل كَي يُشِيرَ إِلى مَا لَيسَ يُبصِرُهُ
والليلُ يَزدَادُ ظُلمًا لِلغَرِيبِ إِذَا
لَم يَلقَ فِيهِ أَنِيسًا كان يُسهِرُهُ
يَرنُو إِلى كُلِّ أُفْقٍ شاكِيًا ظَمَأً
وما لِشَكواهُ إِلَّا ما سَتُمطِرُهُ
مِن دَمعِهِ عاشَ مَحمُولًا إِلى دَمِهِ
وجُرحُهُ فِيهِ مَدفُونٌ وخنجَرُهُ
يا لَليَمَانِيِّ! مَغلوبٌ، ومُنكَسِرٌ
ويَغلِبُ اليَأْسَ إِصرَارًا ويَكسِرُهُ!
يَكُحُّ مِن أَجلِ إِطعامِ البِلادِ دَمًا
ويَحمَدُ اللهَ - مُمتَنًّا - ويَشكُرُهُ
وكُلَّما زَادَ سَعيًا نحو مَوطِنِهِ
أَتاهُ مِن كُلِّ صَوبٍ مَن يُهَجِّرُهُ
فَذَا يُعادِيهِ بِالأَرزاقِ يَقطَعُها
وذَاكَ بِالحَربِ بَعدَ الحَربِ يُفقِرُهُ
شَعبٌ لَهُ كُلَّ يَومٍ مَا يُحَارِبُهُ
ومَا لَهُ حِينَ يَشقَى مَن يُحَرِّرُهُ
لولا خِياناتُ قاداتٍ وأَلوِيَةٍ
ما سَلَّمَ الأَمرَ لِلأَغرابِ عَسكَرُهُ
جُرمُ الخِياناتِ جُرمٌ غَيرُ مُغتَفَرٍ
وأَقبَحُ النَّاسِ جُرمًا مَن يُبَرِّرُهُ
إِلى مَتَى يا دِيَارًا غَابَ سَاكِنُها
يُبكِي اليَمَانِيَّ في المَنفَى تَذَكُّرُهُ
بَلقِيسُ أَضحَى خَرَابًا عَرشُ دَولَتِهَا
وتَاجُهَا صارَ فَحمًا فيهِ جَوهَرُهُ
لا الهُدهُدُ اليَومَ يَأتِيهَا، ولا مَلَأٌ
عَنها يَذُودُونَ، أَو ثَوبٌ تُبَخِّرُهُ
مَلِيكَةُ العِزَّ، كَان النَّجمُ خَادِمَهَا
واليَومَ يُنكِرُهَا الماضِي وتُنكِرُهُ
تَمشِي على الجَمرِ والأَشواكِ حَافِيَةً
وتَحسَبُ الرَّملَ لُجًّا حين تَعبُرُهُ
ثَقيلةُ الهَمِّ، يَطوِي اللَّيلُ صَرخَتَهَا
فَتَزجُرُ الدَّمعَ أَحيَانًا وتَعذُرُهُ
والعَرشُ يَهوِي عليها، وهي جَاثِيةٌ
تَبكِي على كُلِّ حَقٍّ غابَ مِنبَرَهُ
جُرْحٌ قَدِيمٌ أَسَاها، سَوفَ نَحْمِلُهُ
كالنّقشِ، حتى نُلاقِيْ مَن يُفَسِّرُهُ
ولن يَرَى الظُّلمُ منّا غَيرَ مَصرَعِهِ
وغَيرَ مَن لِانتقامٍ جاءَ يَقبِرُهُ
آمَالُنا رَغمَ لَيلِ الغُربةِ اتَّضَحَت
وجُرحُنا صارَ يَدري أَينَ مَصدَرُهُ
لا بُدَّ مِن يَومِ ثأرٍ يُستَعادُ بِهِ
مِن قَبضةِ الظُّلمِ شَعبٌ ماتَ أَكثَرُهُ
فالحقُّ لِلشَّعبِ مهما عاثَ سَالِبُهُ
والشَّعبُ إِن قال "حَقِّي" مَن سَيُنكِرُهُ؟!
الفضل
