وَعْدُ الْأَبِ
فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، كَانَ يَعِيشُ رَجُلٌ فَقِيرٌ يُدْعَى رَحِيمًا، وَكَانَ يَعْمَلُ عَامِلًا بِالأُجْرَةِ الْيَوْمِيَّةِ. وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ تُدْعَى مَايَا.
كَانَتْ مَايَا تَقُولُ لِأَبِيهَا كُلَّ يَوْمٍ: «يَا أَبِي، هَلْ سَتَشْتَرِي لِي دُمْيَةً؟» فَكَانَ رَحِيمٌ يُجِيبُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَهُوَ يَبْتَسِمُ: «بِالطَّبْعِ يَا ابْنَتِي، سَأَشْتَرِي لَكِ دُمْيَةً».
وَبَيْنَمَا كَانَ رَحِيمٌ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، وَصَلَ إِلَى مُخَيَّمِ الْعُمَّالِ لِيَبْحَثَ عَنْ عَمَلٍ، فَوَجَدَ الْمَكَانَ مُكْتَظًّا بِالْعُمَّالِ أَكْثَرَ مِنَ الْأَيَّامِ السَّابِقَةِ. فَأَخَذَ يُفَكِّرُ: «لَقَدِ امْتَلَأَ الْمَكَانُ بِالْعُمَّالِ الْيَوْمَ، وَلَا أَدْرِي هَلْ سَأَجِدُ عَمَلًا أَمْ لَا. وَهَلْ سَأَسْتَطِيعُ أَنْ أُحَقِّقَ رَغْبَةَ ابْنَتِي؟»
وَفَجْأَةً، شَعَرَ بِيَدٍ تَلْمِسُ كَتِفَهُ، فَأَفَاقَ مِنْ تِلْكَ الْأَفْكَارِ، وَالْتَفَتَ إِلَى خَلْفِهِ، فَرَأَى شَابًّا يَقُولُ لَهُ: «يَا عَمِّي، أُرِيدُ أَنْ أَحْفِرَ حُفْرَةً، فَتَعَالَ مَعِي». فَهَزَّ رَحِيمٌ رَأْسَهُ، وَبَدَأَ يَمْشِي مَعَهُ.
وَعِنْدَمَا بَدَأَتِ الشَّمْسُ فِي الْغُرُوبِ، أَنْهَى رَحِيمٌ عَمَلَهُ. وَأَعْطَاهُ صَاحِبُ الْعَمَلِ أَرْبَعَةَ أَوْرَاقٍ نَقْدِيَّةٍ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِائَةُ ريال. فَأَخَذَهَا بِفَرَحٍ، وَذَهَبَ إِلَى السُّوقِ، وَاشْتَرَى لِابْنَتِهِ الْبَرِيئَةِ دُمْيَةً جَمِيلَةً.
وَأَمْسَكَ الدُّمْيَةَ بِيَدِهِ، وَبَدَأَ يَمْشِي نَحْوَ بَيْتِهِ. وَكَانَ الْيَوْمَ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَيْتِهِ، وَكَانَ وَجْهُهُ مَمْلُوءًا بِالْفَرَحِ.
وَفَجْأَةً، جَاءَتْ سَيَّارَةٌ مُسْرِعَةٌ، فَاصْطَدَمَتْ بِهِ بِقُوَّةٍ، فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَفَقَدَ وَعْيَهُ. وَمَعَ شِدَّةِ إِصَابَتِهِ، كَانَ لَا يَزَالُ يُمْسِكُ بِالدُّمْيَةِ بِقَبْضَةٍ قَوِيَّةٍ.
وَكَانَ فِي نَظَرَاتِهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَنِينِ وَالرَّجَاءِ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ابْنَتِهِ وَيُنَادِيهَا: «يَا مَايَا، تَعَالَيْ مُسْرِعَةً... لَقَدْ أَحْضَرْتُ لَكِ دُمْيَةً جَمِيلَةً. خُذِيهَا مِنِّي... إِنِّي رَاحِلٌ».
وَأَسْرَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَيْهِ، فَرَأَوْا ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً عَلَى شَفَتَيْ رَحِيمٍ، وَرَأَوْا الْهَدِيَّةَ الصَّغِيرَةَ مَا زَالَتْ فِي يَدِهِ. وَكَأَنَّهُ حَتَّى فِي لَحَظَاتِهِ الْأَخِيرَةِ كَانَ يَتَمَسَّكُ بِحُلْمِ أَنْ يَرَى الْفَرَحَ فِي وَجْهِ ابْنَتِهِ.
وَأَسْرَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ بِنَقْلِ رَحِيمٍ إِلَى الْمُسْتَشْفَى.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، عِنْدَمَا تَلَقَّتْ مَايَا تِلْكَ الدُّمْيَةَ، أَخَذَتْ تَبْكِي وَتَقُولُ:
«يَا أَبِي، لَقَدْ وَفَيْتَ بِوَعْدِكَ...»
#مجتمع #مجتمع_عام #قصص

3