خائنٌ لم يكشف بعد ..
عندَما يتعلَّقُ الأمرُ بالخيانةِ ، فأنتَ تُخاطبُ جسدَكَ وروحكَ ، فالأوَّلُ تُرهقهُ حتَّى تتغيَّر ملامحُه فيبدو في أكثر مواقفِهِ سعادةً عبوسًا فلا يضحكُ حتَّى وإن كشف عن نواجذِهِ ، والثانيةُ تصابُ بالحمَّى بعدَ أول موقفٍ يجرحُهَا ، حُمَّى الفقدِ المتوقَّع ، والضياعِ الَّذي كثيرا ما أخبرَها أن لا نهايةَ له ، فهي كالكأسِ حينَ تتشقَّقُ تبدأُ بالبكاءِ حتى آخر دمعةٍ ، ولا يطبِّبها جبرٌ سيولِّدُ ندبةً تخزنُ فيها الموقفَ محلَّ الخيانةِ على هيئةِ صورٍ بجودةٍ عالية .
يقولون أنَّ الناسَ معادنٌ ، ويعتقدون أنَّ المواقفَ وحدها تكشفُ حقيقةَ البشر ، وأنَّ الخيانةَ لا تأتيكَ دائمًا بوجهٍ غريبٍ ، بل قد تأتيكَ بوجهٍ ألفته ، وقلبٍ اطمأننت إليهِ ، ويدٍ ظننتها آخرَ ما يمكنُ أن تمتدَّ إليكَ بالأذى .
لكنَّني أرى أنَّ الناسَ نوعانِ : منهم خائنٌ عرفناه ، فسقط من أعينِنا ، وانكشفت لنا حقيقتُه بعد أن أسقط القناعَ .
ومنهم خائنٌ لم يُكشف بعد ، ما زال يتقنُ دورَ الوفيّ ، ويحسنُ اختيارَ كلماتِه ، ويؤدي مشهدَ المحبَّة بإتقانِ الممثل الَّذي يخشى أن تنتهي المسرحيةُ قبل أن يحصلَ على تصفيقِ الجمهور .
والفرق بين الاثنين ليسَ بالضرورة أنَّ أحدَهما أكثر خيانةً من الآخر ؛ بل أنَّ أحدهما فضحتهُ المواقفُ ، بينما لم تأتِ اللحظةُ الَّتي تفضحُ الآخر .
وهنا تكمنُ المفارقة : كم من إنسانٍ منحناهُ لقبَ الوفيّ ، لا لأننا نعرف أعماقَه ، بل لأنَّنا لم نرَ منه ما يدعونا إلى الشكّ!
فهل الوفاء حقيقةٌ نعرفها في النَّاس ، أم حكمٌ مؤقتٌ نصدره عليهم حتَّى تُثبتَ الأيامُ خلافَه ؟
12 مشاهدة