
مقال دقيقة للقراءة
الكاتدرائيات
نشأة الكاتدرائيات ليست مُجردَّ محطة معمارية في تاريخ الفن، بل هي رحلة روحية وفلسفية عميقة عُكست علىٰ جدرانها وأبراجها الشامخة.
تعود جذور الكاتدرائيات إلى الكلمة اليونانية كاثيدرا التي تعني الكرسي أو المقعد، في إشارة إلى الكرسي الأسقفي الذي يرمز إلى سُلطة الأسقف وتعليمه داخل إبرشيته، فلا تُعد كل كنيسة كاتدرائية بل الكنيسة التي تضم هذا الكرسي حصراً. وقد بدأت فكرة الكاتدرائيات تتبلور رسمياً في القرن الرابع الميلادي، وتحديداً بعد مرسوم ميلانو عام ثلاثمائة وثلاثة عشر للميلاد حينَ إعترف الإمبراطور قسطنطين الكبير بالمسيحية وأنهى إضطهادها، حيثُ ظهرت الحاجة لمبانٍ ضخمة تستوعب أعداداً غفيرة من المُصلين فأستوحى المعماريون تصاميم البازيليكا الرومانية وحوروها لتناسب الطقوس الدينية وعُرف هذا الطراز المبكر بالطراز الرومانسكي الذي تميز بالسمك الشديد للجدران، والأقواس النصف دائرية، والأجواء الداخلية المُظلمة الموحية بالرهبة والتأمل الصامت. ومع منتصف القرن الثاني عشر، وتحديداً نحو عام ألف ومائة وأربعين للميلاد في فرنسا نشأت الثورة المعمارية القوطية التي صنعت الشكل المهيب والمعروف للكاتدرائيات، حيثُ سعىٰ المعماريون للإرتفاع بالمباني لتُلامس السماء وتوفير أكبر قدر ممكن مِنْ النور الإلهي مُعتمدين علىٰ إبتكارات هندسية فذة مثل العقد المدبب، والأقبية المُضلعة، والدعامات الطائرة الخارجية التي دعمت الجدران؛ أيضاً فتحتْ المجال واسعاً أمام النوافذ الزجاجية المُعشقة التي تحول أشعة الشمس إلىٰ طيف سحر قدسي. لَمْ تَگُنْ هذه الصروح العظيمة مُجردَّ أماكن للعبادة، بل كانت مشاريع مُجتمعية كبرىٰ تكاتفت فيها جهود المُدن بأكملها وأستغرق تشييدها أجيالاً مُتتالية لتغدو شواهد خالدة تنطق بعبقرية الفن وعُمق الروح الإنسانية.
#إيالاڤيا #مجتمع
