محراب الوجع
قَلْبِي لِـ«غَزَّةَ» مِثْلُهَا مُتَمَزِّقُ
وَدَمِي بِأَهْدَابِ الجِرَاحِ مُرَقْرَقُ
أَنَا لَسْتُ مَنْ شَرِبَ الْمَرَارَةَ نَخْبَهَا
فَالْحُزْنُ فِي صَدْرِي لَهِيْبٌ يُحْرِقُ!
يَا «غَزَّةَ» الأَبْطَالِ صَبْرُكِ آيَةٌ
تَأْبَى عَلَى ذُلِّ الطُّغَاةِ وَتُبْرِقُ
أَرْمِي بِرُوحِي فَوْقَ رَمْلِكِ قُبْلَةً
فِي كُلِّ شِبْرٍ لِلْجَلَالَةِ فَيْلَقُ
هَذَا الصَّغِيْرُ عَلَى الرُّكَامِ كَأَنَّهُ
بَدْرٌ بِلَيْلِ الظَّالِمِيْنَ مُشَقَّقُ
يَبْكِي الْجَرِيْحُ لِدَمْعِهِ فَتَخَالُهُ
صَخْرًا مِنَ الأَحْزَانِ نِيْلٌ يَدْفَقُ
مَا زَالَ صَوْتُ الثَّاكِلَاتِ كَأَنَّهُ
رَعْدٌ بِآفَاقِ الضَّمِيْرِ يُفَتِّق
أَشْلَاءُ أَطْفَالٍ كَزَهْرٍ نَاضِرٍ
فَوْقَ التُّرَابِ لِطُهْرِهَا تَتَفَتَّقُ
عُذْرًا فَمَا بِيَدِ القَرِيْضِ وَسِيْلَةٌ
فَالجُرْحُ أَبْلَغُ وَالمَدَامِعُ تَنْطِقُ
نَحْنُ النِّيَامُ عَلَى نَعِيْمِ سُبَاتِنَا
وَالمَوْتُ فِي أرْضِ البُطُولَةِ يَخْنُقُ
بَيْتٌ هَوَى وَصَغِيْرَةٌ تَحْتَ الرَّدَى
تَرْجُو إلَهًا فِي السَّمَا يَتَرَفَّقُ
صَمْتُ العَوَاصِمِ خِنْجَرٌ فِي ظَهْرِنَا
فَمَتَى خُيُولُ الحَقِّ فِينَا تُعْتَقُ؟
يَا قِبْلَةَ الأَحْرَارِ أَنْتِ عَقِيْدَةٌ
بِالدمْعِ صِيْغَتْ وَالخَلَائِقُ تَرْمُقُ
جُوعٌ، وَقَصْفٌ وَانْقِطَاعُ رَجَائِهِمْ
إِلَّا بِرَبٍّ فِي السَّمَاءِ يُوَفِّقُ
فَارُوقُ عَهْدِكِ يَا مَدِيْنَةُ غَائِبٌ
وَالسَّيْفُ فِي كَفِّ الجَبَانِ مُعَلَّقُ
للَّهِ كُفُّوا عَنْ هُرَاءِ مَقَالِكُمْ
فَالطِّفْلُ فِي نَارِ المَدَافِعِ يَصْعَقُ
تِلْكَ المَسَاجِدُ وَالْمَدَارِسُ نُوَّحٌ
وَالقُدْسُ مِنْ قَيْدِ المَذَلَّةِ يُشْنَقُ
لَكِ يَا رِبَاطَ العِزِّ نَبْضُ جَوَانِحِي
وَدُعَاءُ صَدْرٍ بِاليَقِيْنِ مُعَتَّقُ
سَتُضِيْءُ مِنْ جَوْفِ الرَّمَادِ مَشَاعِلٌ
وَالفَجْرُ مِنْ عَيْنِ المَنِيَّةِ يُشْرِقُ
صَبْرًا فَإِنَّ النَّصْرَ وَعْدٌ قَادِمٌ
مَهْمَا بَغَى البَاغِي وَجَارَ المُسْحِقُ
مَا بَالُ صَمْتِ العُرْبِ أَرْخَى سِتْرَهُ
وَالقُدْسُ فِي قَيْدِ اللَّئِيْمِ مُدَقَّقُ!
يَا جُرْحَ غَزَّةَ وَالشُّيُوْخُ تَسَاقَطُوا
مَنْ لِلثَّكَالَى حِيْنَ بَيْتٌ يُسْحَقُ؟
طِفْلٌ تَعَلَّقَ بِالثِّيَابِ كَأَنَّهُ
حُلْمٌ بِأَكْفَانِ الزَّمَانِ يُطَوَّقُ
وَرَأَى جِدَارَ البَيْتِ يَحضُنُ جِسْمَهُ
فَإِذَا بِهِ تَحْتَ الرُّكَامِ مُمَزَّقُ
أَيْنَ المُرُوءَةُ فِي شُعُوبٍ أُقْعِدَتْ
وَالمَوْتُ فِي كُلِّ الشَّوَارِعِ يَطْرُقُ؟
نَبْكِي بِحِبْرٍ وَالدِّمَاءُ بحَارُهُمْ
فَبِأَيِّ وجْهٍ لِلسَّمَاءِ نُحَدِّقُ؟
تِلْكَ الخِيَامُ البَائِسَاتُ حَزِيْنَةٌ
فِي بَرْدِ لَيْلٍ بِالمَوَاجِعِ تَغْرَقُ
لَكِنَّ فِيهَا مِنْ شُمُوخِ جِبَالِنَا
عِزًّا يُذِلُّ المُعْتَدِي وَيُؤَرِّقُ
فَاصْمُدْ جِدَارَ العِزِّ إِنَّكَ قِبْلَةٌ
وَبِوَجْهِ ربِّكَ لَا يَفُوزُ الفَيْلَقُ
سَيَجِيءُ يَوْمٌ وَالرِّمالُ مَنِيَّةٌ
وَالحَقُّ فِي أَرْضِ الكَرَامَةِ يَنْطِقُ