
مقال دقيقتان للقراءة
نشأة كلمة__ ثقافة
"الكلمةُ أصواتٌ قلّدَتِ الطبيعةَ، فغدَت بالرمزِ والكتابةِ وعاءَ الحضاراتِ وروحَ الإنسان.
إنَّ نشأةَ الكلمةِ وتطورَها يُعدّانِ من أعظمِ الألغازِ والظواهرِ الإنسانيةِ التي حَيّرَتِ الفلاسفةَ واللسانيينَ وعُلماءَ الأنثروبولوجيا على مرِّ العصورِ إذْ لا يقتصرُ الأمرُ على مجردِ أصواتٍ تُطلقُها الحنجرةُ بلْ يتعداهُ إلى تمثيلٍ رمزيٍّ مُعقدٍ يربطُ بين المادةِ المجردةِ والإدراكِ البشريِّ الواعي ولتتبعِ هذا التاريخِ السحيقِ لظهورِ الكلمةِ يجبُ العودةُ إلى آلافِ السنينِ للوراءَ حيثُ كانتِ البشريةُ تعيشُ مرحلةً ما قبلَ اللغةِ المنطوقةِ والمدونةِ ففي تلكَ الحقبةِ الموغلِة في القدمِ إعتمدَ البشرُ الأوائلُ على الإشاراتِ الجسديةِ والحركاتِ التعبيريةِ والأصواتِ الغريزيةِ البسيطةِ مثلِ الأنينِ والصراخِ والتحذيراتِ الصوتيةِ المرتبطةِ بالخطرِ أو الفرحِ أو التكاثرِ ومثلَما تتطورُ الكائناتُ الحيةُ عبرَ الإنتخابِ الطبيعيِّ تطورتِ القدراتُ العصبيةُ والدماغيةُ للإنسانِ العاقلِ هومو سابيينس فحدثتْ طفراتٌ جينيةٌ وتشريحيةٌ بالغةُ الأهميةِ تمثلتْ في نزولِ الحنجرةِ وتوسيعِ التجويفِ الفمويِّ وتطورِ مناطقَ محددةٍ في الدماغِ مثلِ منطقةِ بروكا ومنطقةِ فيرنيك المسؤوليْنِ عن إنتاجِ وفهمِ الكلامِ وهما التطورانِ اللذانِ مَحّصا للإنسانِ القدرةَ على إصدارِ تيارٍ متنوّعٍ ومنضبطٍ من الأصواتِ المتميزةِ التي تشكلُ اللبناتِ الأولى للكلماتِ وتُشيرُ النظرياتُ اللسانيةُ الحديثةُ إلى أنَّ الكلمةَ لم تُخترعْ دفعةً واحدةً على يدِ شخصٍ معينٍ أو في مجتمعٍ بشريٍّ بعينِهِ بلْ نشأتْ عبرَ مسارٍ تطوريٍّ تدرّجيٍّ تراكميٍّ إنطلقَ من محاكاةِ أصواتِ الطبيعةِ كحفيفِ الأوراقِ وخريرِ المياهِ وأصواتِ الحيواناتِ فيما يُعرفُ بنظريةِ المحاكاةِ الصوتيةِ أو من خلالِ التعبيرِ عن الإنفعالاتِ العفويةِ والآهاتِ الناتجةِ عن الألمِ أو السرورِ أو حتى من خلالِ التنسيقِ الجماعيِّ والجهدِ العضليِّ المشتركِ حينَ كانَ الأفرادُ يُصدرُونَ نغماتٍ متسقةً أثناءَ الصيدِ أو حفرِ الأرضِ أو بناءِ الملاجئِ ومع مرورِ الزمنِ وتحتَ ضغطِ الحاجةِ الملحةِ للتواصلِ الإجتماعيِّ ونقلِ الخبراتِ والمعارفِ المعقدةِ بين الأجيالِ تحولتْ هذهِ الأصواتُ العشوائيةُ إلى رموزٍ متفقٍ عليها جماعيّاً تحملُ معانيَ دلاليةً ثابتةً تعبرُ عن الموجوداتِ والمحسوساتِ المحيطةِ بالإنسانِ وبمجردِ إستقرارِ هذهِ الرموزِ الصوتيةِ وإبتكارِ أنظمةِ الكتابةِ الأولى مثلَ الكتابةِ المسماريةِ لدى السومريينَ والهيروغليفيةِ لدى المصريينَ القدماءِ عبرَ تحويلِ الصورِ والمخططاتِ البسيطةِ إلى دلالاتٍ صوتيةٍ ومقاطعَ ثم إلى حروفٍ هجائيةٍ مجردةٍ تجسدتِ الكلمةُ ككيانٍ مستقلٍ بذاتِهِ لها شكلٌ مرئيٌّ يُنقشُ على الطينِ أو الحجرِ أو ورقِ البرديِّ وصوتٌ مسموعٌ يترددُ في الهواءِ وبذلكَ تحولتِ الكلمةُ من مجردِ أداةِ بقاءٍ بيولوجيَّةٍ إلى أداةٍ معرفيةٍ كبرى أسهمتْ في بناءِ الحضاراتِ الإنسانيةِ وتدوينِ التاريخِ ونقلِ الأفكارِ والفلسفاتِ والعلومِ عبرَ الأزمانِ والبحارِ لتصبحَ الكلمةُ هي الوعاءَ الأوحدَ الذي يحفظُ هويةَ الإنسانِ ويمنحُ الوجودَ معناهُ العميقَ والغايةَ الساميةَ التي يتفردُ بها الكائنُ البشريُّ عن سائرِ المخلوقاتِ في هذا الكونِ الواسعِ.
#إيالاڤيا #مجتمع
