
مقال 3 دقائق للقراءة
أصول كلمة كتّاب وتاريخها
الكِتابُ جامعُ الأشتاتِ، ومستودَعُ العقولِ والأفْكار، فكُلُّ سَطْرٍ في الكِتابِ، جَمْعٌ لِلحِكْمَةِ وضَمٌّ للآدَابِ؛
تأتي كلمة كتّاب في اللّغة العربية مِنْ الجذر الثُلاثي (ك - ت - ب)، والذي تدل أصوله اللغوية القديمة في المعاجم العربية (مثل لسان العرب ومقاييس اللغة) علىٰ معنىٰ الجمع والضم والخياطة، يُقال "كتبت السقاء" إذا خطته وجمعته بالخيط، ومنه سُمّيت "الكتيبة" لتجمع الجيش وضمّه بعضه إلىٰ بعض. أما "الكِتاب" فمصدر بمعنىٰ الجمع أيضاً، لأنه يجمع السطور والكلمات والحروف، وأمّا صيغة "كتّاب" فهي صيغة مُبالغة علىٰ وزن فَعّال وقد تطورت دلالتها التاريخية والإصطلاحية لتنتقل مِنْ مُجردَّ وصف كثير الكتابة إلى تسمية المكان الذي يُمارس فيه تعلّم الكتابة وقراءة القرآن وتدريسها للصبيان. وفي اللغات السامية المُقارنة، ترتبط مادة (كتب) بجذور تاريخية مشتركة تدل علىٰ النقش والخط والتدوين، وظهرت في النقوش العربية القديمة (كالنقوش الثمودية والصفائية والمسند المُبكر) بتعابير متقاربة تدل على التوثيق والتسجيل قبل أن تستقر بصيغتها ودلالتها الإسلامية والتعليمية الشهيرة. لذا تعتبر كلمة كتّاب واحدة من/الألفاظ العريقة في/التاريخ العربي والإسلامي والتي تحمل دلالات ثقافية وتربوية عميقة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بنشأة وتطور الكتابة والتعليم والتراث اللغوي في شبه الجزيرة العربية وما حولها تعود جذور هذه الكلمة اللغوية إلى الجذر الثلاثي كتب الذي يدل في معناه الأصلي على الجمع والضم يُقال كتب الشيء إذا خطه وجمعه بالحروف والكلمات ومنه قيل للكتيبة لأنها تجمع الجص وجماعة الفرسان لأنهم يجتمعون في مكان واحد أما كلمة كتّاب على وزن فعال للدلالة على المبالغة أو الكثرة؛ فقد تطورت دلالتها التاريخية عبر العصور لتُشير في بداياتها إلى المكان الذي يتعلم فيه الصبيان القراءة والكتابة ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف وتاريخياً لَمْ تَگُنْ كلمة كتّاب بمعناها التعليمي المؤسسي معروفة بالشكل المُتعارف عليه في العصر الإسلامي المُتقدم خلال الجاهلية الأولى بنفس الهيئة بل كانت الكتابة نفسها نادرة وقليلة الإنتشار بين العرب حيث يذكر المؤرخون أن عدد من كان يُجيد الكتابة في مكة عند ظهور الإسلام كان محدوداً للغاية وأول ظهور لهذا المفهوم كمؤسسة تعليمية مُنظمة يرتبط إرتباطاً وثيقاً ببداية نزول الوحي وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة حيثُ حرص النبي ﷺ علىٰ نشر العلم ومُحاربة الأمية فجاءت حادثة غزوة بدر الكبرى لتُشكل محطة تاريخية بارزة في أول ظهور عملي لتنظيم الكتاتيب عندما جعل النبيﷺ فداءً لبعض أسرىٰ قريش ممن لا مال لهم أن يعلم كل واحد منهم عشرة مِنْ غلمان المدينة الكتابة والقراءة وبهذا يعتبر النبي محمدﷺ والأحداث المُرتبطة بتأسيسه للتعليم الأولي؛ المؤسس الفعلي والمُخترع الأول لفكرة الكتاتيب بصفتها نواة للمدارس الشعبية ومؤسسة تعليمية أهلية تُقام في المساجد أو في بيوت المعلمين لتعليم الأطفال الصبيان والفتيات القرآن الكريم ومبادئ الحساب والخط العربي ومع مرور الوقت وتوسع الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي والعباسي تطورت الكتاتيب وأنتشرت في كافة الأمصار والبلدان الإسلامية ولم يعد الأمر مُقتصراً علىٰ تعليم الكتابة فحسب بل أصبحت المّحضن التربوي الأول الذي يتلقى فيه النشء، علوم القرآن الكريم والحديث الشريف وأصول اللغة العربية والفقه المُيسر قبل الإنتقال إلى الحلقات الكبرى في المساجد الجامعة والمراكز العلمية المتقدمة مثل المدارس النظامية وغيرها وكان المعلم الذي يُعرف بالمعلّم أو المؤدب يحظى بمكانة إجتماعية رفيعة رغم ما رُوي أحياناً عَنْ بساطة حاله؛ وظل الكتّاب طوال قرون طويلة الركيزة الأساسية في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية وحراسة لغة القرآن الكريم من الفساد والضياع حتىٰ مع ظهور المدارس الحديثة في العصر الحديث حيث ظل الكثير من الأطفال في القوافل والقرى والمناطق النائية يرتادون الكتاتيب التقليدية لحفظ القرآن الكريم على يد المشايخ والفقهاء مما يجعل كلمة كتّاب رمزا تاريخيا خالدا للصمود الثقافي والتعليمي في وجدان الأمة العربية والإسلامية جمعاء.؛
#إيالاڤيا #مجتمع
