تعز وثورة_14أكتوبر
#تعز و #ثورة_14أكتوبر
السلاح والإمداد.. طريق طويل إلى جبهات الجنوب
كان توفير السلاح والذخائر أحد التحديات الأساسية التي واجهت الثورة، في ظل تفوق القوات البريطانية من حيث الإمكانات العسكرية والتسليحية. وهنا أدت تعز دوراً مهماً بوصفها مركزاً لتجميع الإمدادات ونقلها إلى جبهات القتال.
وتشير الروايات التاريخية التي أوردها الدكتور سلطان المعمري إلى أن أولى شحنات الأسلحة المرسلة من تعز إلى جبهة ردفان وصلت في التاسع من يونيو 1964، ونُقلت براً على ظهور نحو 127 جملاً وحماراً، في عملية تعكس طبيعة الصعوبات اللوجستية التي واجهها الثوار آنذاك.
وفي نوفمبر من العام نفسه، أُرسلت شحنة أخرى إلى الجبهة ذاتها، ثم تواصلت عمليات نقل الأسلحة والمعدات إلى مختلف مواقع المواجهة، وفقاً للإمكانات والظروف الأمنية المتاحة.
وكان المكتب العسكري للجبهة القومية في تعز يتولى جانباً من تنظيم هذه العمليات، بينما ساعدت شبكة العلاقات بين القيادات في الشمال والجنوب على إيصال الإمدادات إلى المقاتلين.
وإلى جانب السلاح، قدمت تعز دعماً مالياً ومعنوياً للثورة، من خلال التبرعات والأنشطة الشعبية ومساندة الأسر والمجموعات المشاركة في النضال. وبذلك تكامل الدعم العسكري مع الدعم الاجتماعي، لتتحول المدينة إلى قاعدة إسناد متعددة الوظائف.
مؤتمرات ولقاءات صنعت القرار الثوري
لم يكن النشاط السياسي للجبهة القومية في تعز أقل أهمية من نشاطها العسكري، فقد احتضنت المدينة لقاءات ومؤتمرات تنظيمية أسهمت في صياغة توجهات الحركة الوطنية، وتحديد أولوياتها، وتنظيم العلاقة بين قياداتها في الداخل والخارج.
ومن أبرز تلك المحطات لقاء شباب الجبهة القومية المنتمين إلى حركة القوميين العرب في يونيو 1965، والذي حضره عدد من القيادات والشخصيات السياسية، إلى جانب كوادر مرتبطة بالحركة الطلابية اليمنية في الخارج.
كما استضاف مكتب الجبهة في تعز المؤتمر العام الأول للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل خلال الفترة من 22 إلى 25 يونيو 1965، بمشاركة قحطان محمد الشعبي وعبدالفتاح إسماعيل وسالم زين محمد وفيصل عبداللطيف، إلى جانب قيادات أخرى من الحركة الوطنية.
وشكلت هذه اللقاءات مساحة للتشاور بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وآليات تنظيم العمل السياسي والعسكري، والعلاقة بين مكونات الحركة التحررية.
وتكشف هذه المحطات أن تعز لم تكن مجرد مكان لإيواء القيادات أو تدريب المقاتلين، بل كانت مركزاً لصناعة القرار الثوري وإدارة جانب مهم من شؤون الحركة الوطنية الجنوبية، في مرحلة كانت فيها المعركة ضد الاستعمار تتطلب تنسيقاً مستمراً بين الميدان والتنظيم السياسي.
الدعم المصري.. وتعز بوابة الإسناد
ارتبطت جهود الثورة اليمنية في الشمال والجنوب بالدعم الذي قدمته مصر بقيادة جمال عبدالناصر، في إطار سياستها الداعمة لحركات التحرر الوطني العربية، وكانت تعز إحدى المحطات التي تجسد فيها هذا الدعم من خلال التدريب والإسناد العسكري والتواصل السياسي.
وفي شهادته بشأن دور مصر في دعم ثورة 14 أكتوبر، أشار الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد إلى أن عبدالناصر جسّد دعمه للثورة بالفعل، من خلال فتح جبهة تدريب في تعز، مؤكداً أنه التحق بدورات تدريبية فيها قبل مواصلة مسيرته العسكرية.
وتشير روايات تاريخية إلى أن خبراء وضباطاً مصريين أسهموا في برامج التدريب، وأن عمليات الإعداد ارتبطت بخطط لتوفير مقاتلين قادرين على تنفيذ العمليات الفدائية في عدن ومناطق الجنوب.
كما ارتبطت المدينة بزيارة جمال عبدالناصر إليها في أبريل 1964، وهي زيارة حظيت باستقبال شعبي واسع، وعكست حجم التأييد الذي حظيت به سياسات مصر الداعمة للثورات العربية.
وخلال الزيارة، وجّه عبدالناصر رسائل سياسية حادة إلى بريطانيا بشأن وجودها في عدن، في خطاب مثّل، بحسب الروايات المتداولة، تعبيراً عن التزام القاهرة بدعم التحرر من الاستعمار.
وقد عزز هذا الموقف المكانة السياسية لتعز، ورسخ دورها في الربط بين الثورة اليمنية والدعم العربي والإقليمي الذي ساند مسار التحرر.
إذاعة تعز.. صوت الثورة إلى الجبهات
إلى جانب التدريب والإمداد، أدت وسائل الإعلام دوراً مؤثراً في دعم ثورة أكتوبر، وفي مقدمتها إذاعة تعز التي بدأت بث برامجها في أواخر عام 1964.
وقد خصصت الإذاعة جانباً من برامجها لمتابعة أخبار الكفاح المسلح في الجنوب، ونقل بيانات الثوار، وتسليط الضوء على تطورات المواجهات، وبث الأناشيد والخطابات التي عززت الروح المعنوية للمقاتلين والجمهور المؤيد للثورة.
وفي ظل محدودية وسائل الاتصال وانتشار الأمية آنذاك، مثّل الراديو وسيلة مهمة للوصول إلى قطاعات واسعة من السكان، كما أتاح نقل الأخبار إلى مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
ولم يقتصر تأثير الإذاعة على الجمهور المحلي، بل تناولت صحف في عدن ما كانت تبثه من أخبار وبيانات، الأمر الذي جعلها جزءاً من المعركة الإعلامية بين الحركة التحررية والسلطات الاستعمارية.
وبذلك أسهمت إذاعة تعز في بناء رواية إعلامية مضادة لرواية الاحتلال، وفي إبقاء أخبار الثورة حاضرة في المجال العام، وتعزيز التواصل بين الجبهات والمجتمعات الداعمة لها.
من العمل الفدائي إلى انهيار النظام الاستعماري
أثمر تراكم الجهود السياسية والعسكرية والتنظيمية، التي شاركت تعز في احتضانها، عن توسيع نطاق المواجهة في عدن والريف الجنوبي خلال السنوات اللاحقة.
وبحلول عام 1967، كانت الجبهة القومية وقوى التحرر الأخرى قد حققت تقدماً ميدانياً وسياسياً مهماً، فيما تراجعت قدرة السلطات السلاطينية المتحالفة مع بريطانيا على الاحتفاظ بمناطق نفوذها.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المقاتلين تمكنوا، خلال الفترة الممتدة بين مايو وأكتوبر 1967، من بسط نفوذهم على عدد من المناطق والمراكز، ضمن سلسلة من التحولات التي مهدت لانهيار منظومة الحكم الاستعماري في الجنوب.
وفي الثلاثين من نوفمبر 1967، غادرت القوات البريطانية عدن، وأُعلن استقلال جنوب اليمن، في محطة شكلت نهاية مرحلة طويلة من الاستعمار وبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة.
ولم يكن هذا التحول نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل العمل الفدائي والتنظيم السياسي والتعبئة الشعبية والظروف الإقليمية والدولية. وفي هذا المسار، مثّل الدعم الذي قدمته تعز أحد العناصر التي ساعدت على استمرار الثورة وتوسيع قدراتها.
أبناء تعز في قيادة الحركة الوطنية والدولة
امتد دور أبناء تعز من المساهمة في العمل التنظيمي والعسكري إلى المشاركة في بناء الدولة التي أعقبت الاستقلال. فقد برزت شخصيات من أصول تعزية في مختلف مستويات العمل السياسي والنقابي والعسكري، وأسهمت في مسيرة الحركة الوطنية الجنوبية.
ومن الأسماء التي ترد في هذا السياق عبدالفتاح إسماعيل، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والنقابية والعسكرية التي شاركت في العمل الثوري أو في مؤسسات الدولة بعد الاستقلال.
كما ارتبط اسم مهيوب علي غالب الشرعبي، المعروف بـ«عبود الشرعبي»، بتاريخ الكفاح المسلح في الجنوب، إذ تذكر روايات تاريخية أنه كان من أبرز المقاتلين الذين شاركوا في الثورة، وأن استشهاده في 11 فبراير 1967 ارتبط لاحقاً بإحياء ذكرى الشهيد الجنوبي.
وتكشف هذه الأسماء، إلى جانب عشرات الشخصيات الأخرى، أن إسهام تعز لم يكن مقتصراً على توفير المأوى أو الإمدادات، بل شمل المشاركة المباشرة في قيادة العمل الوطني وصناعة التحولات السياسية والعسكرية التي انتهت بالاستقلال.
ومع ذلك، فإن إنصاف هذا الدور لا يعني اختزال ثورة أكتوبر في مدينة أو منطقة بعينها، بل يستدعي الاعتراف بمساهمة مختلف مناطق اليمن وقياداته ومقاتليه، مع إبراز الأدوار التي لم تحظَ بالتوثيق الكافي.
تعز وعدن.. ذاكرة متبادلة للنضال الوطني
تكشف العلاقة التاريخية بين تعز وعدن عن صورة أكثر تعقيداً وتكاملاً من التصنيفات الجغرافية الضيقة. فكما احتضنت تعز قيادات ومقاتلي ثورة أكتوبر، كانت عدن في مراحل سابقة ملاذاً لنشطاء ومعارضين فروا من الحكم الإمامي، واتخذوا منها قاعدة للعمل السياسي والصحفي والتنظيمي.
وقد أسهمت البيئة المدنية والتعليمية في عدن في احتضان نشاط الحركة الوطنية اليمنية، بما في ذلك جهود تأسيس التنظيمات السياسية والصحف التي عارضت الحكم الإمامي، ومهدت لظهور تيارات شاركت لاحقاً في ثورة 26 سبتمبر.
وبهذا المعنى، لم تكن العلاقة بين المدينتين قائمة على اتجاه واحد للدعم، بل على تبادل تاريخي للأدوار والفرص والحاضنات الاجتماعية. فتعز دعمت الحركة التحررية الجنوبية، وعدن احتضنت في مراحل سابقة نشاطاً سياسياً شمالياً، في نموذج يعكس تشابك المسار الوطني اليمني.
وتمنح هذه الحقيقة أهمية خاصة لأي نقاش معاصر بشأن العلاقات بين أبناء المحافظات، لأنها تؤكد أن الروابط التاريخية والاجتماعية بين اليمنيين أعمق من الانقسامات التي فرضتها الصراعات السياسية والعسكرية.
بين إنصاف التاريخ وخطاب المناطقية
في مقابل هذه الذاكرة المشتركة، برزت خلال السنوات الأخيرة خطابات وممارسات ذات طابع مناطقي أثارت مخاوف بشأن تراجع قيم المواطنة والتعايش. وقد شهدت مناطق مختلفة من البلاد اتهامات بالتحريض والتمييز والاستهداف على أساس الانتماء الجغرافي، بما في ذلك شكاوى تتعلق بمعاملة أبناء تعز في بعض مناطق الجنوب.
وتستدعي هذه التطورات التمييز بين نقد الممارسات السياسية أو الأمنية وبين تعميم الاتهامات على مجتمعات بأكملها. فالمسؤولية عن أي انتهاك ينبغي أن تحدد وفق الوقائع والأدلة، بعيداً عن تحويل الانتماء المناطقي إلى أساس للاتهام أو العقاب الجماعي.
كما أن استحضار الدور التاريخي لتعز في ثورة أكتوبر يجب ألا يتحول إلى خطاب مضاد يعيد إنتاج الانقسام، بل إلى مدخل لتأكيد أن النضال ضد الاستعمار والاستبداد كان مشروعاً وطنياً شارك فيه يمنيون من مناطق متعددة.
ومن هنا، فإن إنصاف تعز لا يتعارض مع إنصاف عدن أو لحج أو حضرموت أو سائر المحافظات، بل يكتمل بالاعتراف المتبادل بالتضحيات والأدوار، وبناء ذاكرة وطنية تتسع للجميع.

35 مشاهدة