فلسفة الحياة
الحياة مدرسة كبيرة فصولها الأيام، وأستاذتها التجارب، ومنهجها التغير المستمر. منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الإنسان عينيه على هذا العالم، يجد نفسه مقيداً بقبول التسجيل في مقاعد هذه المؤسسة الوجودية الكبرى التي لا تمنح إجازات، ولا تقبل الانسحاب، بل تفرض على الجميع حضور دروسها بصمت أو بصخب.
فصول هذه المدرسة لا تحيط بها جدران من طين أو حجر، بل تُبنى من نسق الأيام والليالي. كل شروق شمس هو درس جديد في البدايات والأمل، وكل غروب هو صفحة تُطوى لتعلمنا حتمية الزوال. أما المقاعد، فهي محطاتنا اليومية؛ قد نلتقي فيها بأصدقاء يعلموننا معنى الوفاء، أو نواجه خصوماً يختبرون سعة صدورنا وقدرتنا على الغفران. إنها قاعات دراسية مفتوحة على مصراعيها، تتسع لكل خيبة أمل تجعلنا أقوى، ولكل فرحة قصيرة تذكرنا بلذة النور وسط ظلمات العثور
في المدارس التقليدية، تُقاس المعرفة بحفظ النظريات واجتياز الاختبارات الورقية؛ أما في مدرسة الحياة، فالامتحانات حية ونابضة بالنبض الإنساني. المنهج هنا مركب من ثنائيات لا غنى عنها:
* فصل الألم: قد يكون هو الفصل الأكثر قسوة، لكنه الأشد تأثيراً. فالألم يكسر الغرور، ويعلم النفس البشرية التواضع، ويكشف لنا عن قوى خفية لم نكن نعلم بوجود لولا قسوة المحنة.
* فصل الفرح: يمنحنا الاستراحة المؤقتة، ويعلمنا الامتنان وتقدير النعم الصغيرة التي اعتادت عيوننا على إغفالها في زحمة السعي.
المثير في مدرسة الحياة أننا لا نحصل على شهادة التخرج إلا مع آخر أنفاسنا. ليس هناك درجات نهائية معلنة، بل هناك رصيد من الحكمة والنضج يتراكم بمرور الأعوام. الإنسان العاقل هو من يحسن الإصغاء لدروس الماضي دون أن يعلق في شراكه، ويستعد لدروس الغد دون خوف مفرط من المجهول.
في نهاية المطاف، نكتشف أننا سنظل دائماً طلاباً في مدرسة الوجود. مهما بلغ علم الإنسان أو علا شأنه، تظل الحياة تفاجئه بدرس جديد لم يكن في الحسبان. ولعل جمال هذا الوجود يكمن في تلك الدهشة المستمرة، وفي قدرتنا الدائمة على التعلم، والخطأ، والتصحيح، لنغادر هذه الدنيا ونحن أطهر قلباً وأعمق بصيرة مما بدأنا. #مجتمع #لآلئ_اليوم #اليمن #أدب
14