
مقال 9 دقائق للقراءة
النقد الأدبي بين ضرورة التقويم وسلطة الذوق
مدخل:
ليس الأدب مجرد كلماتٍ نَصُفُّها، ولا تصويرا نستعيره لتزيين المعاني، بل هو تجربة إنسانية نفسية؛ تتخذ اللغة سبيلًا إلى الكشف عن خبايا النفس وحقائق العالم، وتكمن قيمتها في قدرتها على أن تجعل الأمر الذي يألفه الجميع موضوعا عميقا لا يُفهم إلا من خلال التأمل وتخطي جِبِلة الذوق العادي إلى ما يجعل المعنى العابر إلى أثرا راسخا في الوجدان.
وإذا كان الإبداع صورةً من صور الحرية، فإن النقد هو حدُّها الذي يمكن أن يكون إما قيدا لها أو مفتاحا للمضي خارجها إلى صور أخرى أكثر اتساعا وعمقا؛ إذ لا يكتمل حضور النص في الحياة الثقافية بمجرد إنتاجه، بل تبدأ مرحلةٌ جديدة من حياته حين يقع في أيدي القراء، ويصبح موضوعًا للفهم والتأويل والموازنة والتقويم.
أولًا: النقد الأدبي وأهميته
النقد في اللغة من نقد الدراهم، أي تمييز جيّدها من رديئها، والكشف عن أصيلها من منتَحَلها.
ومن هذا المعنى نشأت دلالته الاصطلاحية التي تتصل بفحص الأعمال الأدبية، وتحليل خصائصها الفنية والدلالية، وتقدير قيمتها في ضوء معايير قابلة للمناقشة والاستدلال.
وعلى هذا، فالنقد الأدبي ليس مرادفًا للتقريظ، وإن كان الثناء أحد وجوهه الممكنة؛ إذ قد يكون النص جديرًا بالإشادة، وقد يكون محتاجًا إلى المراجعة، وقد يجتمع فيه من وجوه الحسن والقصور ما يستوجب التمييز والتفصيل، وليس النقد مقتصرا على أن يُحصي العيوب فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الكشف عن مواطن الجمال، ويُفسّر أسباب التأثير، ويُبيّن وجوه القوة والضعف، ويضع العمل الأدبي في موضعه الذي يستحقه، بعيدًا عن المجاملة التي تُعطّل الحكم، والخصومة التي تُفسد النظر.
وتكمن أهمية النقد في كونه أداةً للارتقاء بالوعي الأدبي إلى معارج الوجدان والروحانية المتزنة، وما يتصل بهما من قيَمٍ أخلاقية وحضارية، فهو ليس مجرّد وسيلة لإصدار الأحكام بل يتيح للمبدع أن يرى نصه من خارج تجربته الخاصة، ويكشف له ما قد تحجبه عنه عاطفته أو أُلفته بعباراته، كما يمنح القارئ أدواتٍ للتمييز بين جزالة اللفظ وعمق المعنى، وبين عمق الصورة وفاعليتها، وبين الانفعال الصادق والافتعال العاطفي، فالنقد لا يقف عند حدود الحكم على النص، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في تنمية الذائقة، وتطوير الكتابة، ومنه إثراء الأدب والمحافظة على أصالته.
ثانيًا: بين سلطة الذوق وحجّة النقد
من الإشكالات الواقعة في الوسط الأدبي؛ الخلط بين الذوق والنقد، مع أن بينهما صلةً وثيقة لا تقتضي التطابق.
فالذوق يستشعر الأثر الجمالي، والنقد يفسر الأخير ويعلل أسبابه؛ وقد يُعجب القارئ بصورة من صور الجنس الأدبي لما تنطوي عليه من غرابة أو طرافة، غير أن الناقد يتجاوز انطباعه الأول إلى البحث في وظيفة الصورة داخل النص، ومدى اتصالها بتجربته الشعورية، وقدرتها على توليدالمعنى، فالذوق الناضج أحد روافد النقد، غير أنه يحتاج إلى المعرفة والخبرة والقدرة على الاستدلال، حتى لا يبقى أسير الألفة والانفعال الشخصي إذ أنه يُنبّه إلى الجمال، والمعرفة الموازية له تُعين على فهمه، والحجّة تمنح الحكم قابليةً للمناقشة والمراجعة.
ومن هنا، لا يصح أن يُختزل النقد في مجرّد الإعجاب أو النفور، كما لا يصح أن يُختزل في استعراض المصطلحات والمناهج؛ إذ قد يكون المرء واسع الاطلاع على النظريات النقدية، ثم يعجز عن النفاذ إلى روح النص، وقد يمتلك حسًّا أدبيًّا مرهفًا، ثم لا يُحسن إقامة الدليل على أحكامه.
وتكتمل الممارسة النقدية باجتماع الذائقة الواعية، والمعرفة المنهجية، والقدرة على التحليل والتعليل.
ثالثًا: مناهج النقد وتعدّد زوايا القراءة
تعدّدت المناهج التي تسعى إلى فهم النص الأدبي، واختلفت باختلاف الأسئلة التي تطرحها والأدوات التي تعتمدها.
فالمنهج التاريخي يدرس العمل في صلته بعصره وتحولاته، والمنهج الاجتماعي يبحث في علاقته بالبنية الاجتماعية والقيم السائدة. والمنهج النفسي يتناول ما يتعلق بالتجربة النفسية وتطبيقاتها في الكتابة.
أما المنهج الفني فيتجه إلى دراسة النص من داخله، بالنظر في بنائه اللغوي، وعلاقاته التركيبية، وصوره، وإيقاعه، وآليات إنتاج الدلالة فيه.
ويدل هذا التعدد في المناهج على أن العمل الأدبي أوسع من أن تستوعبه زاويةٌ واحدة في كل أحواله، فقد يكشف السياق التاريخي عن دلالةٍ لا تظهر في القراءة الداخلية وحدها، وقد يُفضي التحليل الفني إلى اكتشاف ما تحجبه القراءة التي تكتفي بسيرة الأديب أو ظروف عصره.
وعليه، فإن الناقد مطالبٌ باختيار المنهج الذي يلائم طبيعة النص والسؤال المطروح، لا أن يفرض على جميع الأعمال قالبًا واحدًا، ثم يحاكمها إليه، فالمناهج أدواتٌ للفهم، وليست قوالب جامدة، وقيمتها تُقاس بقدرتها على إضاءة النص والكشف عن خصائصه، لا بمجرد الانتساب إليها أو الإكثار من مصطلحاتها.
رابعًا: مقوّمات العمل الأدبي وعناصره
لا تُقاس جودة النص بمجرد جمال لفظه، ولا بعمق فكرته منفردةً، وإنما بمدى تآلف مكوّناته وفاعليتها في إنتاج الأثر الأدبي.
ومن أبرز هذه المقوّمات:
- العاطفة: وهي الطاقة الوجدانية التي تمنح التجربة الأدبية حرارتها الإنسانية، وتصل النص بوجدان المتلقي.
غير أن صدق العاطفة لا يعني بالضرورة جودة التعبير عنها؛ فقد تكون التجربة صادقةً في أصلها، ثم يعجز الكاتب عن صياغتها صياغةً مؤثرة، وقد يُحسن التخييل والتصوير حتى يُوهم بصدق تجربة لم يعشها على صورتها الموصوفة. ومن هنا، لا ينظر النقد إلى العاطفة بمعزل عن طريقة تشكيلها فنيًّا، ومدى تناسبها مع المقام، وخلوّ التعبير عنها من التكلف والافتعال.
- الخيال: وهو القوة التي تعيد تشكيل التجربة، وتكشف عن علاقاتٍ بين الأشياء قد لا يُدركها النظر المألوف، وبه تتحول المعاني المجرّدة إلى صورٍ محسوسة، وتكتسب التجربة أبعادًا تتجاوز ظاهر الوقائع.
وليس الخيال مجرّد جمعٍ للغرائب أو إكثارٍ من الاستعارات؛ إذ قد تُفسد المبالغةُ الصورةَ، ويُضعف التكلّفُ أثرَها، بينما تمنح الصورة الموحية القليلةُ الألفاظ النصَّ عمقًا واتساعًا، والعبرة ليست بغرابة الصورة وحدها، بل بقدرتها على خدمة التجربة وإنتاج الدلالة.
- المعاني والأفكار: وتتمثل المعاني في الرؤى والتصورات التي يحملها النص عن الإنسان والحياة والوجود، وما يثيره من أسئلة أو يقدّمه من مواقف.
ولا تُقاس قيمة الفكرة بمجرد عمقها الظاهر أو جِدّتها المدّعاة، بل بمدى إحكام بنائها، وملاءمتها للتجربة، وقدرة النص على تجسيدها فنيًّا، فقد تكون الفكرة عميقةً في ذاتها، لكن حضورها في النص باهتٌ جافٍ يضعف أثرها، وقد تتسرّب دلالةٌ واسعة من صورة موجزة دون تصريحٍ أو تقرير.
- اللغة والأسلوب: وهي المادة التي يتشكّل منها العمل الأدبي، والأسلوب هو الكيفية الخاصة التي يُنظّم بها الأديب هذه المادة ليعبّر عن تجربته ويؤثر في متلقيه.
وتظهر قيمة الأسلوب في دقة الاختيار، وحسن التأليف، وتناسب الإيقاع، وفاعلية الصورة، وانسجام العبارة مع المعنى والمقام، وليس الأسلوب الجيد هو الأكثر غرابةً أو تزويقًا، كما أن الجزالة لا تتحقق بمجرد استعمال الألفاظ القديمة؛ وإنما تنشأ القيمة الفنية من قدرة اللغة على أداء المعنى أداءً موحيًا، بحيث يغدو الشكل جزءًا من التجربة لا مجرد حُلّةً لتزيين الظاهر.
وهذه العناصر لا يستقل بعضها عن بعض، بل تتشارك في تشكيل العمل الأدبي وتحقيق تتاغمه واتساقه؛ فالعاطفة تستمد صورها من الخيال، والفكرة تتجسد باللغة، والأسلوب يعيد تنظيم التجربة بأكملها.
وعليه؛ فإن النقد الذي يعزل عنصرًا عن سائر العناصر قد يُفضي إلى حكمٍ جزئي لا يحيط بالقيمة الكلية للنص.
خامسًا: البلاغة والنقد
فالبلاغة تبحث في وجوه التعبير ومقتضياته وخصائصه، وتُعين على إدراك دقة الصياغة وملاءمة الكلام لمقامه، بينما يتسع النقد، بحسب منهجه وسؤاله، لتحليل البنية الفنية والدلالية، والنظر في تآلف العناصر، وتفسير القيمة الجمالية والفكرية للعمل.
ولا يعني هذا أن البلاغة محصورةٌ في الشكليات، أو أن النقد وحده ينفذ إلى جوهر الأدب؛ فالبحث البلاغي قد يكشف عن دقائق المعنى، والتحليل النقدي قد يستفيد من أدوات البلاغة استفادةً أساسية، وإنما المقصود أن جودة النص لا تُستنفد في سلامة تراكيبه أو إحكام صوره، كما لا تتحقق بمجرد سموّ أفكاره؛ إذ لا بد من النظر في الكيفية التي تحوّل بها هذه العناصر التجربةَ إلى بناءٍ أدبي متماسك.
ولهذا، فإن الحكم النقدي لا ينبغي أن يقوم على الانطباع المجرد، ولا على معيارٍ منفرد يُتخذ مقياسًا لجميع النصوص. فجمال عبارةٍ منفردة لا يكفي لإثبات جودة العمل بأسره، وإنما تتحدد قيمة الملاحظة بموضعها من النص، وأثرها في بنائه، ومدى اتصالها بالحكم العام عليه.
سادسًا: النقد بين المجاملة والمصارحة
لعلّ من أخطر ما يواجه النقد الأدبي أن يتحول الاختلاف حول النصوص إلى خصومةٍ بين أصحابها، أو أن تُفسَّر كل ملاحظةٍ نقدية على أنها حسدٌ أو انتقاص، حتى تغدو المجاملة أيسر سبيلًا إلى القبول من المصارحة، ويصبح الثناء المتبادل سياجًا يحول بين الأعمال والمراجعة الجادة.
غير أن النقد لا يُقاس بحدّة عبارته، كما لا يُقاس بقدر ما يُرضي صاحبه؛ وإنما بقوة حجّته، ودقة ملاحظته، وعدالة أحكامه. فالناقد الذي يصف النص بالركاكة دون أن يحدد موضعها، أو ينعته بالسطحية دون أن يكشف عن مظاهرها، لا يقدم معرفةً نقدية مكتملة، وإن بدا خطابه محكم العبارة. وكذلك من يكثر من المصطلحات دون أن يوظّفها في تفسير الظاهرة الأدبية، فإنه قد يمنح كلامه مظهرًا علميًّا لا يسنده تحليلٌ حقيقي.
ومن مقتضيات الإنصاف أن يُفصل بين النص وصاحبه؛ فضعف العمل لا يستلزم ضعف مبدعه في كل ما يكتب، وجودة نصٍّ لا تجعل صاحبه معصومًا من الخطأ، كما أن نقد العمل لا يبيح الانتقاص من كرامة صاحبه، واحترام المبدع لا يقتضي التسليم بجودة كل ما ينتجه، فالنص موضوعٌ للتحليل، وصاحبه إنسانٌ له حقه في الاحترام والاختلاف، وبين الأمرين حدٌّ ينبغي ألا يضيع في حماسة الخصومة أو مجاملة الأصدقاء.
ولا تقع مسؤولية بناء ثقافة نقدية على الناقد وحده؛ فالأديب الذي يطلب الثناء ويرفض المراجعة يُضيّق على إبداعه أبواب النمو، كما أن القارئ الذي يتخذ ذوقه الشخصي مقياسًا نهائيًّا للجمال يُحوّل اختلاف الأذواق إلى أحكامٍ مطلقة، وليس تقبّل النقد أن يوافق الكاتب على كل ما يُقال في نصه، أو أن يتخلى عن رؤيته الفنية إرضاءً لغيره، بل أن يُحسن التمييز بين الاعتراض المبني على الحجّة، والاعتراض الذي لا يتجاوز مجرد الانطباع والهوى.
خاتمة: النقد ضرورةٌ لا وصاية
إن الحاجة إلى النقد لا تعني أن كل نصٍّ يجب أن يخضع لمحاكمةٍ دائمة، ولا أن كل قارئ مطالبٌ بتحويل متعته الجمالية إلى بحثٍ اصطلاحي؛ وإنما تعني أن الحياة الأدبية تحتاج إلى الموازنة والتفسير والتقويم، حتى لا تتحول إلى سوقٍ للمجاملات المتبادلة.
فالنقد الذي يتعالى على النص يفقد صلته به، والنقد الذي يخشى المصارحة يفقد وظيفته، والأديب الذي يُحصّن أعماله من المراجعة يحرمها فرصة النمو.
وفي المقابل، فإن الناقد الذي يتوهّم امتلاك الحقيقة الجمالية يحوّل أدوات الفهم إلى سلطةٍ للوصاية، ويغفل أن النصوص قد تحتمل من المعاني ووجوه القراءة ما لا تستنفده قراءةٌ واحدة.
وهكذا، لا يكون النقد الأدبي خصمًا للإبداع، بل شريكًا في كشف قيمته، ولا يكون الذوق نقيضًا للمعرفة، بل منطلقًا لها متى انفتح على التعليل والمراجعة، فالإبداع يهب الأدب نصوصه، والقراءة تمنحها حياةً متجددة، والنقد يسعى إلى فهم هذه الحياة والكشف عن وجوهها، وبين حرية المبدع ومسؤولية الناقد تتشكل مساحة الحوار التي يزدهر الأدب بها؛ فلا هي ساحةٌ للتبجيل الذي يعطّل الفكر، ولا ميدانٌ للخصومة التي تُفسد الذوق، بل مجالٌ تتلاقى فيه المحبة مع الصراحة، والجمال مع المعرفة، والاختلاف مع الإنصاف.
