
مقال دقيقتان للقراءة
هي_إمرأة يرتديها الخجل
الخجلُ الحقيقي ليسَ إنكماشاً عَنْ العالم، بل هو إمتلاء بالروح يجعلُ الإنسان يكتفي بنقائه، كالملكة التي تُفصلُ بوابتها علىٰ مَنْ يستحقون الجمال؛
هي إمرأة كأنما صُنعت مِنْ تلويحة الغيم وصمت الياسمين، تتنفس ببطء كأنها تخشى أن تُزعج سكون الهواء أو تسرق مِنْ العابرين طمأنينتهم، تقف علىٰ حدود الحضور والغياب كأنها خُلقت لتكون المعنىٰ الخفي لكل ما هو جميل وبعيد، تحمل في عينيها طفولةً هاربةً وفي خطواتها وقار الملوك المتواضعين، وإذا ما ألتقت عيناها بعينيگ شعرتَ أنك أمام كتاب مفتوح مِنْ الطُهر والنقاء ولكن مِنْ دونِ مُقدمات، تتوارىٰ خلف هدبها الطويل كمن تختبئ مَنْ الشمس في ظل غيمة وارفة، وكأن الخجل قدرها الجميل الذي تتباهىٰ به مِنْ غير غرور وتتوج به روحها من غير إدعاء، هي ليستْ كبقية النساء اللواتي تضج حضورهن بالأصوات، بل هي حضور يُشبهُ الموسيقى الهادئة التي تُسمع بالقلب لا بالأذنين، تتحدث بكلمات مُقتضبة كأنها تحسب لكل حرف وفاءه وحينَ تبتسم تشرق في الروح نافذة جديدة لَمْ تَگُنْ تُدرك وجودها منْ قبل، يُخيل لك وأنتَ تنظر إليها أنها قادمة مِنْ زمن أخر زمن لَمْ تعرف فيه المُدن صخبها ولم تشوه فيه الأهواء براءة القلوب، خجلها ليسَ ضعفا بل هو إمتلاء بالذات وغنىٰ روحي يجعلها تكتفي بعالمها الداخلي كملكة تُفصلُ بوابتها علىٰ مَنْ يستحقون النقاء تمشي بخطوات موزونة كأنها تمشي علىٰ لحن عتيق، وإذا لفت إلتفاتة عابرة تحرك معها الوجد وأهتزت أوتار الشوق في الصدور المعطشة للجمال، إنها تجسيد حي للقصيدة التي لَمْ تكتمل بعد، واللوحة التي تستعصي علىٰ ريشة الرسام لأنها تتغير مع كل نبضة وكل ومضة بصر، هي السكون الذي يحمل في طياته كل عواصف الدنيا، والغياب الذي يملأ الحضور طاقة ودفئاً، وكلما حاولت أن تقترب منها لتُدرك كنه هذا السحر أتاك خجلها كحارس عتيق يمنعُك مِنْ العبث بملامح الطُهر، لتبقىٰ غارقاً في الدهشة مُعلقاً بينَ حُلم لا ينتهي وحقيقة تشبهُ الخيال، إنها إمرأة كأنها خُلقت لتُذكر العالم بما أفتقده مِنْ حياء، وما نسيه مِنْ رقة، وما فرطّ فيه مِنْ براءة، فتبقىٰ في الرمال المُتحركة للزمن واحةً ساكنةً لا تتغير ولا تتبدل ولا تملك إلا أن تنحني لها إحتراماً وتقديراً لجلال هذا الخجل العظيم الذي يختصر كل معاني الأنوثة والسمو؛ وأخيراً تُدرك أنگ أمام إمرأة لا تُختصر في وصف ولا تُطال بكلمات عابرة لأنها أعمق مِنْ كل الأبجدية وأصفىٰ مِنْ كل ما كتب الشعراء عَنْ الجمال تترك خلفها طيفاً يُضيء عتمة الأيام وريحاً طيبة تُعطر تفاصيل المكان وكأنها لَمْ تَگُنْ سوىٰ حُلمٍ جميل مرّ بخفة علىٰ رصيف الروح ليترُك بَصمته الخالدة إلىٰ الأبدية؛
#إيالاڤيا #مجتمع
