هل أنت سند؟
في زحام الحياة وضروبها، يمتلئ الطريق بالأسماء والوجوه، غير أنّ القلب، عند ضيق المدى وحرّ النازلة، يعرف وجهته حقّ المعرفة؛ فأيّ الأبواب يطرق، وأيّ الحجرات يقصد بلا تردد؟
للبشر مراتب وأقدار؛ فمن النساء مَن يحيط بهنّ البنون، غير أنّ واحدًا يسكن الموضع الأعزّ من الفؤاد؛ ذاك الذي تطمئنّ الروح بجواره حين تثقل الأيام، فتجد في كنفه متسعاً لِبقيّة العمر. هو الملاذ الذي تستمده العون في شؤون الأهل، واثقة بأنّ حاجتها ستلقى لديه رحابة صدر، ويسراً في اليد، وسكينة في اللفظ.
وللإنسان إخوة كثر، على أن أخاً بعينه يبرز في ساعة المحنة؛ ذاك الذي يُقصد بلا استئذان، شعوراً بأنّ وراءه درعاً لا يخذل وظهراً يستند إليه العود إذا ما مالت بالمرء ريح الحياة.
وكذلك الأصدقاء؛ يغصّ العمر بمعارفهم، ويبقي الدهر على صديق فريد؛ من يُطرق بابه في غسق الليل عند طارئ لا يحتمل التأجيل، أو حين تشتدّ الأمور فتغدو النجدة مطلباً ملحّاً، أو حين تضيق النفس بحملها فتبحث عمّن يصغي للهموم الملحّة من دون حاجة لتكرار الشكوى ألف مرّة.
فهل أنت هذا الملاذ في حياة أحدهم؟
هل أنت من يخطر بباله فور اشتداد السبل، ومن تركن إليه النفس عند تكاثر الهواجس، ومن يلجأ إليه بلا حرج عِلماً بأنّه سيجد السعة والرفق والعون على تجاوز العثرة؟
أن تكون سنداً، معناه أن تحتل صدارة القلب بلا منازع، وأن تستحضره الذاكرة فور عجز الحيلة وازدحام الساعات.
أن تكون سنداً، معناه أن تصبح مفتاحاً للخير؛ تجري المعونة على يديك لفكّ كربة، أو تنفيس همّ، أو قضاء دَيْن، أو إغاثة ملهوف، أو نصرة مظلوم، أو أخذ بيد حائر نحو سواء السبيل. وقد يكون سندك كلمة صادقة في آن الانكسار، أو إصغاءً حانياً لروح أنهكها الصمت، أو حضوراً هادئاً يُبدد وحشة الخائف في مواجهة العالم.
أن تكون سنداً، معناه أن تكتنز في صدرك من الرحمة ما يأمن معه الخائفون، فيضعون أثقالهم بين يديك مطمئنين إلى حفظ السرّ، وصيانة الكرامة، وبذل المعروف بلا مَنّ ولا استعلاء.
فالسند الحقّ لا يستغلّ مواضع الضعف، ولا يشعر صاحبه بالعبء، ولا يحول العرفان إلى دَيْن مقيد. يمنح بعزّة، ويعين برحمة، ويحفظ الودّ حتى بعد انقضاء الحاجة.
أن تكون سنداً، معناه أن يغمر الطمأنينة صدوراً تيقّنت من وجودك؛ أن تعلم نفوس أضناها التعب أنّ في الأرض قلباً يستطيع الالتجاء إليه، ويداً تمتدّ عند انقطاع السبل.
وما أجلّها من منحة أن يصطديك الله لتكون سبباً في جبر خاطر، أو ستر عورة، أو إنقاذ إنسان من اليأس، أو بعث الأمل في روح أنهكها الانتظار. إنّها رفعة تستوجب الحمد، وأمانة ثقيلة، وباب وثيق للتقرّب إلى الخالق بسلامة الطوية وحسن العمل.
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «إنّ من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشرّ، وإنّ من الناس مفاتيح للشرّ مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه».
فتبارك من صار وجوده غيثاً، وقوله بلساً، وفعله جسراً يعبر عليه المتعبون نحو واحة السكينة.
واعلَمْ أنّ أثر الإحسان أبقى من لحظة العطاء نفسها؛ فقد يغيب عن ذاكرتك صنيع صغير قدّمته، بينما يظلّ إنسان آخر يستحضره كلّما أثقلته الحياة، ذاكراً إيّاك بوصفك اليد التي تموضعت في مكانها، والباب الذي انفتح حين أُوصدت الأبواب.
فأحسن إلى خلق الله ابتغاء مرضاته، وأخلص في عطائك من غير انتظار لجزاء أو شكور؛ فالله العليم بما قدمت وما أخفيت في الصدور، وهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين.
وقد يأتيك لطفه من حيث لا تحتسب، ويهيّئ لك من أسباب الفرج ما يدهش الحسبان، ويجعل لقلوب جبرتها نصيباً من دعوات صادقات تستقرّ في ميزانك.
وخلاصة القول؛ لا تقِس منزلتك بين الناس بكثرة المعارف، بل بمقدار الأمان الذي يبعثه ذكرك في نفس إنسان واحد.
فقد تكون في أعين العالمين شخصاً عادياً، بينما تمثل في حياة أحدهم البيت الذي يأوي إليه، والكتف التي يستند إليها، والنجدة التي يترقبها عند اشتداد البلاء.
فاسأل قلبك اليوم:
هل يجدك محتاجك عند صدق الطلبة؟
هل يمنح جوارك الطمأنينة للوافدين بلا حرج؟
هل تبسط من رحمتك ما يصون الكرامة ويخفّف الأوجاع؟
كن سنداً ما استطعت؛ فما الأكتاف لترفع الأجساد وحدها، بل أُعدّت لتحمل أعماراً أثقلها الحزن، وقلوباً أنهكها الخذلان، وأرواحاً لا تبتغي من الدنيا سوى هاتفٍ يقول بصدق: «أنا هنا، لن تواجه هذا وحدك».
وما أعذب أن تلقى الله وقد خلّفت في درب العباد أثراً طيّباً، وكنت يوماً سبباً في طمأنينة قلب، أو انبلاج ابتسامة، أو نجاة إنسان من ضيق ظنّه لا يزول.
#شخبطة_مشاعر
#شرين_شوقي_عامر

22 مشاهدة