من أوراق الليلة.. حكايات من التراث العربي :(عطر الوفاء وميزان القلوب)
زقاق قديم في مدينة تعز العريقة، حيث تتهامس حجارته بأسرار السنين، وتفوح من نوافذه رائحة البن والهيل مع نسيم المساء. في إحدى دور تلك الحارة العتيقة، عاش رجلٌ عُرف بين أهله برجاحة العقل وحسن الجوار، وكان يملك بستاناً صغيراً يعيل منه أسرته، ويقضي فيه أوقات راحته وتأمله.
في ذات يوم، اشتدت الحاجة بالرجل، واضطر لاستدانة مبلغٍ من المال من أحد تجار السوق، على أن يوفيه إياه مع نهاية الموسم. مرّت الأيام سريعة، وحلّ موعد السداد، لكن عارضاً صحياً ألزم الرجل الفراش، فعجز عن الذهاب إلى السوق في الموعد المحدّد.
ظن التاجر السوء، وقصد دار الرجل بغضبٍ يطالب بحقه، فاستقبله صاحب الدار بكل هدوء وابتسامة رضا، ولم يغضب لغلظة التاجر، بل قال له بصوتٍ هادئ ينضح صدقاً: "أهلاً بك يا أبا فلان، الحق حق، وما أخرني عنك إلا عارض ألمّ بي، وحقك محفوظ غير منقوص". ثم قام مستعيناً بأحد أبنائه وأحضر له ماله كاملاً مضافاً إليه هدية رمزية تقديراً لصبره.
خجل التاجر من نفسه ومن حسن خلق الرجل، وانحنى باحترام قائلاً: "والله ما جئت أطلب مالي إلا خوف الضياع، لكني اليوم اكتسبت كنزاً لا يُقدّر بثمن؛ وهو أن كرم الأخلاق وسداد الوعد هما رأس مال الإنسان الحقيقي".
الحكمة الليلة:
حُسن الخلق والوفاء بالعهود هما العملة التي لا تبور، وبها تكتسب القلوب قبل المغانم، ففي طيات الصدق نجاة، وفي حُسن التعامل رفعة للقدر.
#نوري_أفندي
#حكايات_من_التراث
#تراث_عربي
#حكم_وعبر
#مجتمع #مجتمع_عام
@المتابعون

30