بقعة ضوء
...هناك رجالٌ يدخلون حياة المرأة كعابرين… وهناك رجلٌ واحد قد يدخل قلبها فيصبح وطنًا.
ليس الرجل الذي يُسعِد المرأة هو الأكثر كلامًا، ولا من يَعِدها بأشياء عظيمة ثم يتركها تواجه الحياة وحدها. الرجل الذي يسعدها هو من يجعلها تشعر، في أبسط تفاصيل يومها، أنها ليست وحدها… أن هناك قلبًا ينتبه إليها، ويدًا تمتد إليها، وروحًا تقول لها دون ضجيج: أنا معك.
المرأة لا تنسى الرجل الذي لاحظ تَعبَها وهي تحاول إخفاءه بابتسامة... لا تنسى من قال لها: «ارتاحي، سأهتم أنا بهذا الأمر». لا تنسى من رأى في عينيها حزنًا لم تتحدث عنه، فسألها بحنان، لا بفضول.
أحيانًا، كلمة واحدة من الرجل تستطيع أن تُرمّم في قلب المرأة شيئًا هدمته أيام طويلة.
أن يقول لها: «أنا فخور بك»…
«أعرف كم تعبتِ»…
«أقدّر كل ما تفعلينه»…
قد تكون هذه الكلمات، في لحظة معينة، أثمن من ألف هدية.
فالمرأة حين تحب، تمنح من روحها قبل وقتها، ومن قلبها قبل يدها. تعطي اهتمامًا، وحنانًا، وصبرًا، وتفاصيل صغيرة لا يراها أحد. ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الرجل هو أن يجعلها تشعر أن عطائها مرئي، وأن تعبها مقدّر، وأن وجودها في حياته ليس أمرًا اعتاد عليه حتى أصبح عاديًا.
قال جبران خليل جبران: «المحبة لا تمنح إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها.»
وهذا هو الحب حين يكون ناضجًا… حين لا يصبح أحد الطرفين ساحةً يفرغ فيها الآخر غضبه، ولا يصبح الاهتمام مكافأة تُمنح عند الرضا وتُسحب عند الاختلاف.
الرجل الحقيقي لا يحتاج أن يُثبت قوته بإسكات المرأة، ولا أن يرفع صوته كي يشعر برجولته، فقوته تظهر في قدرته على الاحتواء، وفي احترامه حين يغضب، وفي رقيّه حين يختلف، وفي حرصه على ألا يكسر قلبًا ائتمنه.
هو الذي يحترمها كإنسانة قبل أن يراها زوجة أو حبيبة أو أمًا. يحترم رأيها، أحلامها، اختياراتها، طموحها، وحتى حاجتها إلى بعض المساحة لنفسها.
والاهتمام ليس أن يراقبها… بل أن يعرفها و يقدر ذاتها و طريقة تفكيرها و احساسها.
أن يعرف متى تحتاج إلى كلمة، ومتى تحتاج إلى حضن، ومتى تحتاج فقط إلى أن تجلس إلى جواره بصمت، دون أن يطالبها بشرح ما تشعر به.
فالمرأة لا تبحث دائمًا عن رجل يحمل عنها العالم… أحيانًا كل ما تريده رجلٌ لا يجعل العالم أثقل عليها.
تريد سندًا إذا مالت الأيام، وكتفًا إذا أثقلها التعب، وصوتًا يذكّرها بقيمتها عندما تنسى نفسها وسط مسؤوليات الحياة.
وما أجمل الرجل الذي يجعل المرأة معه أكثر طمأنينة، لا أكثر خوفًا… أكثر ثقة، لا أكثر شكًا… أكثر إشراقًا، لا أكثر انطفاءً.
فالرجل الذي يُحب امرأة حقًا، لا يكتفي بأن يقول لها: «أحبك».
بل يجعلها، كل يوم، تشعر بها.
لأن الحب ليس كلمة تُقال مرة…
الحب موقف يتكرر، واحترام لا يسقط، واهتمام لا ينقطع، وحنان يجد طريقه إلى القلب حتى في أكثر الأيام قسوة.
وفي النهاية، قد تنسى المرأة كثيرًا من الهدايا التي قُدمت لها… لكنها نادرًا ما تنسى كيف جعلها رجلٌ ما تشعر تجاه نفسها.
فإن جعلها تشعر أنها جميلة، ومهمة، ومقدّرة، ومحبوبة… فقد منحها شيئًا لا يُشترى.
منحها أمانًا يشبه الوطن.

15 مشاهدة