
مقال 3 دقائق للقراءة
الموتْ الصغير__الفراق
الفراقُ ليسَ مجرَّدَ غيابٍ للجسد، بل هوَ موتٌ صغيرٌ لبعضِ روحِنا في قلبِ مَن أحببنا، حتىٰ نكتشفَ أنَّ أصعبَ العزاءِ ليسَ في رثاءِ الغائبين، بل في إستعادةِ أجزائِنا التي رحلَتْ معَهم|||
الموت الصغير ليسَ سوىٰ إستعارة مُوجعة لذلك المخاض الخفي الذي تعبره الروح حينَ ينفرط عقد الوصل وينقطع حبل الألفة مع مَنْ كُنا نرىٰ فيهم وطناً ومُستقراً إن الفراق الطويل حينَ يطرق باب الوجود الإنساني لا يقتصر علىٰ كونه حدثاً عابراً في جغرافية الزمن بل يتحول إلىٰ زلزال كياني يهز أركان الوعي ويُعيد صياغة إدراكنا للأشياء من حولنا وكأن الذاكرة تتحول إلىٰ مُتحف مهجور تعبره رياح الحنين الباردة فتحرك غبار اللحظات القديمة وتتركنا في مواجهة عارية مع الفراغ الذي خلفه الغياب وكأنما الحياة في غيابهم تفقد طعمها ولونها وتتحول إلى إيقاع رتيب يفتقر إلى النبض الحقيقي لأن الأرواح حينَ تتوحد في منتصف الطريق ثم تباغتها يد الغياب تتشظى وتترك في كل زاوية من زوايا القلب أثراً لا يمحى وجرحاً لا يلتئم بسهولة إن الفراق الطويل يُعلمنا أن الوجود الإنساني هش إلى حد مخيف وأن الأمان الذي نظن أننا نمتلكه ليسَ سوىٰ ومضة برق تضيءُ عتمة الكون لثوانٍ معدودات ثم تختفي تاركة إيانا في ليل طويل مِنْ الأسئلة المُعلقة والاشواق التي لا تنتهي ونظل في هذا المخاض الروحي نُمارس طقوس الحنين بصمت بليغ كأننا نحرس جمرة خفية تحتَ رماد الأيام نقاوم عصف النسيان بإبتسامة باهتة ونستحضر وجوهاً غابت جسداً وبقيت في سويداء القلب حية ترزق وكأن الموت الصغير ليسَ إلا تهذيباً للروح لتعلم كيف تكتفي بذاتها وتستمد نورها مِنْ الداخل بعد أن إنطفأت الشموع التي كانت توقدها يد الحبيب إن الفراق بهذا المعنىٰ العميق ليسَ نهاية المطاف بل هو بداية لنوع آخر مِنْ الوجود أكثر شفافة وأكثر ألماً حيثُ تتجرد الأشياء من قشورها المادية وتكتسب أبعاداً روحية لا يدرك كنهها إلا مَنْ تجرع كأس الغياب حتىٰ الثمالة وعبرَ صحراء التوحش والوحشة باحثاً عَنْ معنىٰ أعمق للحياة والموت واللقاء والوداع__ ولأن التجربة في جوهرها ليستْ مُجردَّ صدمة شعورية تزول بمرور الأيام بل عملية صهر وتجميع لإنسان جديد فإن أثر الغياب يتسلل إلىٰ تفاصيل الفكر الدقيقة ليُغير نظرتنا للزمن نفسه إذ يتوقف الوقت عَنْ كونه خطاً مُتسلسلاً يتجه نحو الأمام ليغدو دوائر متداخلة نُعاد فيها إلىٰ لحظة الوداع مراراً وتكراراً نعيش فيها الماضي كأنه حاضر يتجدد وننظر إلى المستقبل بحذر مُفرط كمن يخشى أن يتكرر الفقد في كل زاوية ونمتلئ بيقين غريب مفاده أن الأشكال والأماكن ليستْ سوىٰ مسارح فارغة تعيرها أرواح الأحبة معناها وجمالها فإذا ما أنسحبوا منها أرتدت إلىٰ صمتها الأصلي وحيادها البارد ونكتشف حينها أن أصعب ما في الفراق ليسَ غياب الآخر بل غياب الجزء الذي كان يمثله منا وتلك السكينة التي كان يمنحنا إياها وجوده التلقائي إذ يجد المرء نفسه مطالباً بإعادة بناء ذاته مِنْ رُكام المشاعر وتجميع شتات أفكاره ليقف من جديد علىٰ أرض واهية يُخيل إليه أنها قد تميد تحتَ قدميه في أي لحظة غير أن هذا الألم الممتد والعميق يحمل في طياته بصيرة فريدة تجعلنا أكثر تفهماً للطبيعة البشرية وأكثر قدرة علىٰ التعاطف مع مرارات الآخرين كأن الفقد يفتح عيون البصيرة علىٰ إتساعها لنرىٰ أن كل لقاء هو معجزة مؤقتة وأن كل حضور هو هبة تستحق الإمتنان التام قبل أن يستردها الغياب وتتحول الذكريات من مصادر للوجع والأسىٰ إلىٰ منارات خافتة تضيء عتمة الطريق ونمضي في الحياة ونحن نحمل في دواخلنا ذاك الموت الصغير ليس كرمز للهزيمة أو الانكسار بل كدليل حي علىٰ أننا أحببنا بعمق وعشنا بصدق وأن أرواحنا كانتْ قادرة علىٰ مُلامسة أبعاد أعمق مِنْ مُجردَّ العيش العابر علىٰ هامش الوجود؛
#إيالاڤيا #مجتمع
