
مقال 3 دقائق للقراءة
إننا مساكين نسيرُ وفق رغبة الآخر
حُريتك الحقيقية تبدأ باللحظةِ التي تكسر فيها مرآة أهواء الآخرين، لتنظر في عينيّ ذاتك وتُدرك أنگ لستَ صدىً لأحد، بل أنت النص والأصل والمصير.»
إننا نولدُ عراةً مِنْ الإرادة الخالصة، نحمل طيننا الأول جذاذةً بيضاء تتلقىٰ خطوط الآخرين دون أن تُدرك أن الحبر المسكوب علىٰ صفحة أيامنا ليسَ سوىٰ صدىٰ لأصواتهم وأوهامهم ورغباتهم الدفينة؛ فنمضي في دروب الحياة مُطأطئي الرؤوس ننسج من خيوط العجز غطاءً لخيباتنا ونسير بخطىً مُتثاقلة ترتسم علىٰ أثر إرادة مفروضة لا علاقة لقلوبنا بها وكأننا عابرون في أرض لا تخصنا وحرّاسٌ علىٰ بوابات أحلامٍ لم نرتضيها يوماً لأننا منذ الطفولة الأولى تعلمنا كيف نبلع دمعة الإعتراض وكيف نصيغ تنهيداتنا وفق الإيقاع الذي يرضيهم وكأن أجسادنا ما هي إلا مرايا عاكسة لرغباتهم وحدائق مزروعة بأزهار تذبل إن لم تسقها أهواء الآخرين وتلك هي المأساة الكبرى أن يكتشف المرء بعد فوات الأوان وبعد أن ينفرط عقد العمر وينفرط معه اللؤلؤ والثمين أنه لم يعش لنفسه قط بل كان أجيراً عند ظنون الناس ومستأجراً في هيكل أوهامهم يسعىٰ جاهداً ليرضيهم وهم ساهون في غيهم لا يكفون عَنْ المطالبة بالمزيد وكأن رغبة الآخرين ثقبٌ أسود يبتلع كل شعلة تخصنا ويتركنا رماداً بارداً يتساقط في مهب ريح العبث الأبدي لنظل نردد في سرنا أننا مساكين نسيرُ وفق رغبة الآخر نقتات على الفتات الذي تسقطه موائد أسيادنا الوهميين ونحسب أننا نحيا بينما نحن في الحقيقة أمواتٌ يمشون على قدمين مِنْ حنينٍ كاذب لا يملكون مِنْ أمرهم شيئاً سوىٰ أن يتبعوا القافلة حيثُ سارت ولو إلىٰ حتفهم المحتوم__ وحينَ يرتجف اليقين في عمق الروح وتتكسر المرايا التي طالما عكست وجوههم المُصطنعة نبدأ تدريجياً ندرك أن الخلاص ليسَ سوىٰ طعنة نافذة في خاصرة التبعية وأن الحرية الحقة تُكلفنا غالياً إذ تفرض علينا أن ندفن ذلك القبول المزيف لنولد مِنْ جديد مِنْ رحمِ الرفض والتمرد حتىٰ وإن عشنا غرباء في ديارنا منبوذين علىٰ حواف الطرق لأننا رفضنا أن نكون دمىً تحركها خيوط الأصابع الخفية لتصفق لها الجماهير الهُتافة علىٰ مسرح العبث الدائم فنحن إن لَمْ نگُنْ أنفسنا لسنا شيئاً مذكوراً وإن طال بنا السفر في أروقة الإرضاء الدائم فإنه حريٌ بنا اليوم قبل غدٍ أن نكسر هذه القيود المنسوجة مِنْ خوفنا القديم وأن نمزق تلك الأقنعة التي طالما اختبأت خلفها ملامحنا الحقيقية لنقف عُراة أمام مرآة الذات بلا خوف ولا وجل متمسكين بشعلة فرادتنا الوحيدة حتىٰ لو إحترق العالم بأسره حولنا وما عاد يهمنا إن كنا مساكين نسير وفق رغبة الآخر أم أحراراً نصنع مصيرنا بأظافرنا ودماء قلوبنا طالما أننا في النهاية وجدنا ذواتنا الضائعة وأمتلكنا حق البكاء والضحك والحُلم بأصواتنا نحنُ لا بأصواتهم__ وأخيراً ينقشع ذلك الضباب الثقيل الذي طالما أعمىٰ البصيرة عَنْ رؤية الطريق الواضح لتشرق شمس الحقيقة في أعماقٍ دافئةً وساطعةً تطرد ظلال الخوف والتردد وتعلن ميلاد إنسان جديد لا يخشىٰ غضب العالم ولا يُبالي بسخط العابرين لأنه أدرك أن الحياة أقصر من أن تُهدر في إرضاء أصواتٍ لا تحفل بوجعه وأن الوجود الحقيقي يبدأ حيثُ تنتهي خضوعاتنا للآخرين لنبتسم طويلاً للمدىٰ ونمضي بثباتٍ نحو أفقنا المرسوم بأيدينا نحنُ لا بأيدي سوانا نعيش كل لحظةٍ كأنها العمر كله ونكتب قصيدتنا الخاصة علىٰ أديم الأيام بلا خوفٍ من ملامة وبلا رغبة في إستجداء الرضا من أحد؛ مُتصالحين تماماً مع عذاباتنا وإنتصاراتنا الكبرى ومُعلنين للعالم أجمع أننا ما عدنا مساكين نسيرُ وفق رغبة الآخر بل أسيادٌ علىٰ عرش أرواحنا ومالكو زمام مصيرنا إلىٰ الأبد.
