
مقال 3 دقائق للقراءة
كلُّ الوجوهِ مُسافرة أو علىٰ شفا سفرٍ
ليسَ السفرُ دومًا قَطعًا للمسافات، بل هو تخيل للروح في دروب الوعي؛ فنحنُ لا نغادرُ الأمكنةَ بقدرِ ما تغادرُنا الأيام، وأصدقُ الوجوهِ تلك التي تحملُ علىٰ جبهتِها خريطةَ رحلتِها الداخلية؛
كلُّ الوجوهِ مُسافرة أو علىٰ شفا سفرٍ هذه الحقيقة الأزليّة التي تتسللُ إلىٰ أعماق الروح كلما توقفنا لحظةً لنُصغي إلىٰ صمت الأشياء تلتصق بنا العبارة كأنها قدرٌ محتوم لا مهرب منه فنحنُ في هذا الوجود لسنا سوىٰ عابرين نتقاطع في محطات الزمان والمكان نتبادل نظرات الوداع والترحيب قبل أن يبتلع كل منا طريقه الخاص إن السفر الإنساني لا يقف عند حدود القطارات المُسرعة ولا الموانئ التي تعج بالحقائب والمسافرين بل يتجاوز ذلك إلىٰ مدارات الوعي والوجدان حيث ترتحل الأرواح بحثاً عن المعنى أو فراراً من ثقل الذاكرة وكأن الحياة بأسرها مُجردَّ رحلة طويلة تبدأ بصرخة الميلاد وتنتهي بسلام الغياب وكل ما بينهما هو محاولات مُضنية لترويض هذا الوحش المُسمىٰ بالفراغ حينَ تتأمل الوجوه العابرة في الشوارع المُزدحمة أو المكاتب المُضيئة أو حتىٰ تلك التي ترافقنا في تفاصيلنا اليومية تلمح في أطراف العيون ذلك الأفق البعيد كأن قلوبهم ليست هنا بل في مكان آخر ربما خلف بحار لم يزوروها بعد أو في ذكريات ماضٍ رفض أن يغادرهم فالمسافر ليسَ بالضرورة مِنْ حمل عصاه وأرتاد المجهر بل هو كل إنسان يحمل في صدره قلباً يعتمل بالشوق والحنين والتساؤلات المقلقة وكأن الاستقرار وهمٌ جميل نتواطأ جميعاً علىٰ تصديقه لكي نتحمل قسوة العبور إن الأدب والفكر طالما التمسا هذا الجوهر الرحب للوجود البشري فمنذ أن خط الإنسان أولى كلماته علىٰ جدران الكهوف وحتىٰ أحدث النصوص الفلسفية كان هاجس الرحيل والبحث عن الحقيقة هو المحرك الخفي لكل إبداع فالكاتب الحقيقي مسافرٌ دائم في عوالم الكلمة والفكرة يفتش عَنْ مرسى يهدئ من روع تساؤلاته ولا يلبث أن يغادره نحو أفق أرحب لأن الثبات موتٌ بطيء والفكر الحي هو الذي لا يرتضي باليقين الجاهز بل يغامر دائماً في إرتياد مجاهل الروح وكأن العقل البشري مركبٌ شاعري وسط محيط هائج من الشكوك واليقينيات المتصارعة وإذا دققنا النظر في طبيعة الوجوه سنجد أنها تتشكل وفقاً لطبيعة أسفارها فالوجه الذي عرف ألم الفراق يختلف جذرياً عن وجه لم يغادر قطن قريته الوادعة فالأول يحمل على جبهته خرائط من الخيبات والإنتصارات الصغيرة بينما الثاني يعيش في سذاجة أبدية تجعله بمنجاة عن عاصفة الوعي لكنها في الوقت ذاته تحرمه من لذة الاكتشاف وعمق المعرفة وكل وجه نقابله هو نصٌّ أدبي مفتوح على التأويل يحتاج إلى قلب رقيق يقرأ ما بين السطور ويدرك أن ما تخفيه الدموع والإبتسامات المزيفة أعمق بكثير مما تبديه الملامح الظاهرة فالناس جميعاً يحملون أثقالاً خفية وتاريخاً من الترحال الداخلي الذي لا ينتهي وهنا يكمن سر الجمال الإنساني في قدرتنا الهائلة على الإستمرار في السفر رغم وعورة الطرق وإنطفاء القناديل وكأن في أواصرنا رغبة سرية لا مُتناهية في بلوغ المطلق أو العثور على الذات المفقودة في زحام الأيام وعندما نصل في نهاية المطاف إلى تلك اللحظة التي تتهادى فيها شمس النهار نحو المغيب ندرك أن كل سفرٍ مهما طال أو قصر ليس إلا عودة مطولة إلى الداخل إلى تلك النقطة القصية من الروح التي إنطلقنا منها لنكتشف العالم فنجد أنفسنا في نهاية المطاف وكأن الدائرة قد أغلقت دورتها لتبدأ من جديد رحلة أخرىٰ علىٰ شفا سفرٍ جديد لا نهاية له ولا قرار؛
#إيالاڤيا #مجتمع
