كَوْنٌ فِي حَيِّزٍ ضَيِّقٍ -4- مَقَامُ التَّوَحُّدِ
وَحَدَ،
يُوحَدُ،
فَهُوَ وَاحِدٌ وَهِيَ وَاحِدَةٌ.
(التَّوَحُّدُ غَيْرُ التَّوْحِيدِ، فَالتَّوْحِيدُ مِنَ الفِعْلِ وَحَّدَ بِتَشْدِيدِ الحَاءِ المَفْتُوحَةِ)
تَوَحَّدَ فِعْلٌ إِرَادِيُّ التَّوَجُّهِ، فَهُوَ مُتَوَحِّدٌ مَعَ (لَا بُدَّ مِنْ مَعَ) حَتَّى وَلَوْ كَانَ التَّوَحُّدُ مَعَ النَّفْسِ، فَالتَّوَحُّدُ يَشْتَرِطُ وُجُودَ طَرَفَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى الأَقَلِّ اخْتَارَ إِرَادِيًّا التَّوَحُّدَ مَعَ الآخَرِ... بِمَعْنَى أَنْ يَجْعَلَ الآخَرَ شَطْرًا لَهُ... فَهَلِ التَّوَحُّدُ إِنْقَاصٌ لِلرُّوحِ الكَوْنِ؟! وَهَلِ التَّوَحُّدُ فِعْلٌ جَسَدِيٌّ... أَمْ فِعْلٌ كَوْنِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَمِي لِعَالَمِ الرُّوحِ الكَوْنِ؟!
التَّوَحُّدُ كَفِعْلٍ جَسَدِيٍّ لَحْظِيٌّ وَإِنْ دَامَ، وَيَظَلُّ فِيهِ الطَّرَفَانِ اثْنَيْنِ مَهْمَا كَانَ تَدَاخُلُهُمَا، فَهُنَاكَ انْفِصَالٌ مَا لَا بُدَّ حَادِثٌ... لِلَحَظَاتٍ تَوَحُّدٌ عَلَى مُسْتَوَى الشُّعُورِ بِالاِتِّحَادِ وَعَدَمِ الاِنْفِصَالِ، لَكِنَّهُ يَدُومُ تَوَحُّدًا مَنْقُوصًا، إِذْ هُوَ فِعْلٌ خَاصٌّ بِجَسَدَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ تَمَامًا... لَمْسَةُ أَنَامِلَ تَكْفِي الشُّعُورَ بِهَذَا التَّوَحُّدِ لَكِنَّهُ أَبَدًا يَظَلُّ مَنْقُوصًا... وَمَا الاِتِّصَالُ الجَسَدِيُّ هَذَا إِلَّا مُحَاوَلَةٌ تَظَلُّ مُجَرَّدَ مُحَاوَلَةٍ لِيَعْبُرَ، بِمَعْنَى يَمُرَّ الجَسَدُ عَبْرَ بَوَّابَةِ الرُّوحِ وَلَوْ لِلَحَظَاتٍ!!
إِذًا التَّوَحُّدُ بِمَعْنَاهُ الحَقِيقِيِّ لَا المَجَازِيِّ فِعْلٌ لِلرُّوحِ... إِنْ حَدَثَ فِعْلًا!!
فَهَلْ يُمْكِنُ لِرُوحَيْنِ أَنْ يَصِيرَا وَاحِدًا؟
إِنَّ فِكْرَةَ لَا جَسَدِيَّةِ الرُّوحِ وَمُفَارَقَتِهَا عَنْ وُجُودِ الجَسَدِ كَحَيِّزٍ ضَيِّقٍ تَسْتَوْعِبُ التَّوَحُّدَ بَلْ تَنْطَلِقُ لِتُعَبِّرَ وَتُؤَكِّدَ هَذِهِ الثُّنَائِيَّةَ وَالمُفَارَقَةَ... وَحَيْثُ لَا جَسَدَ لِلرُّوحِ فَيُمْكِنُنَا فِعْلًا التَّخَيُّلُ بَلْ وَالتَّفَاعُلُ مَعَ التَّوَحُّدِ عَلَى أَسَاسٍ كَوْنِيٍّ، وَلَعَلَّ هَذَا مَا يُبَرِّرُ فِكْرَةَ وُجُودِ الحُبِّ وَالعِشْقِ لِلْحُبِّ وَالعِشْقِ حَتَّى دُونَ رُؤْيَةٍ... فَنَحْنُ نُحِبُّ لِأَنَّنَا نَتُوقُ إِلَى التَّوَحُّدِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ المَحْبُوبُ كَائِنًا مُتَخَيَّلًا... وَلِمَاذَا نَبْتَعِدُ فَنَحْنُ نُحِبُّ اللهَ وَنَحْنُ لَا نَرَاهُ... سَيَقُولُ قَائِلٌ: نَحْنُ نَرَى اللهَ فِي خَلْقِهِ... أَقُولُ: نَرَى اللهَ فِي أَفْعَالِهِ لَكِنَّا لَا نَرَاهُ... نَشْعُرُ بِوُجُودِهِ وَمَعَ ذَلِكَ نُحِبُّهُ بَلْ نَسْعَى فِي بَعْضِ تَصَوُّفِنَا إِلَى التَّوَحُّدِ بِذَاتِهِ جَلَّ وَعَلَا...
التَّوَحُّدُ إِذًا دَرَجَةٌ عُلْيَا مِنْ أَفْعَالِ الرُّوحِ، تَحْتَاجُ لِبَذْلٍ وَتَخَفُّفٍ مِنَ الجَسَدِ لِتَحْقِيقِهِ... فَهَلْ لِلْجَسَدِ دَوْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِعْلِ التَّوَحُّدِ... بِالطَّبْعِ لَا... وَمَادَامَ التَّوَحُّدُ دَائِمٌ لَا لَحْظِيٌّ... فَقَدْ غَابَ الجَسَدُ عَنْ فِعْلِ التَّوَحُّدِ الرُّوحِيِّ!
مَا القَوْلُ إِذًا فِيمَنْ يَخْتَارُونَ عَمْدًا المَوْتَ تَعْبِيرًا عَنْ فَقْدِ الشُّعُورِ بِالتَّوَحُّدِ؟!
مَهْلًا... أَعْلَى صُوَرِ التَّوَحُّدِ هُوَ تَوَجُّهُ المَوْجُودِ (المَخْلُوقِ) لِلتَّوَحُّدِ مَعَ الوَاجِدِ (الخَالِقِ)، فَهَلْ يُفْنِي المُتَصَوِّفُ الجَسَدَ تَعْبِيرًا عَنْ هَذَا التَّوَجُّهِ... وَهَلْ يَقْبَلُ الخَالِقُ فِعْلَ الفَنَاءِ هَذَا إِنْ حَدَثَ؟!
بِالطَّبْعِ لَا...
وَمَادَامَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّوَجُّهِ لِلتَّوَحُّدِ، فَهَلْ يَقْبَلُ اللهُ (الوَاجِدُ) مِنْ مَوْجُودٍ (مَخْلُوقٍ) فَنَاءَ جَسَدِهِ بِالمَوْتِ اخْتِيَارًا لِأَجْلِ فَقْدِ التَّوَحُّدِ مَعَ مَوْجُودٍ مَخْلُوقٍ؟!
بِالطَّبْعِ لَا،
فَهَلْ يَتَنَافَى التَّوَحُّدُ مَعَ الإِيمَانِ؟
بِالطَّبْعِ لَا،
عَلَى العَكْسِ فَالإِيمَانُ هُوَ الضَّامِنُ لِلتَّوَحُّدِ دُونَ الخُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ كَوْنِ الرُّوحِ مَخْلُوقًا، وَلَوْ كَانَتْ كَوْنًا فَهِيَ مَخْلُوقٌ مَحْضٌ.
#أحمد_الخالد
#مجتمع
#أدب
#فلسفة
#لآلئ_اليوم
1 مشاركة8 مشاهدة