جـدران نـاطقة
الكلمات يا أحـباء ليست مجرد أصوات تتبعثر في مهب الهواء، إنما هي الرحم الوحيد الذي يـولد فيه الفكر ليمشي على قدميه.
هل اللـغة سجن ضيق نختبئ خلـف جدرانه العتيقة، أم هي السلـطة الحـية التي تمنح عقولنا طعـم الوجود الحقيقي؟
يتوهم إنـسان اليوم أن الشعور أطهر إن بقي حبيساً في الصدر، خائفاً من تلويثه بحروف النطق، ظانين أن السكوت يحمي السريرة. غير أن الحقيقة تنهض عكس ذلك تماماً؛ فالأفكار ظلال عابرة تذوب في العتمة إن لم تجد طريقها إلى اللسان.
الإنسان بلا لغـة يعيش غريباً في رأسه، والفكرة النائمة تموت وحيدة إن لم يمنحها الصادق جسداً واسماً ودفئاً يروي العطش.
وهذا الانفصام يظهر جلياً حين نراقب شـابـاً يقضي أعواماً طويلة يحفظ مقررات المدارس ويطحن كتب التلقين، مردداً شعارات براقة لا تشبه روحه أبداً، فإذا جلس يوماً وحـده وخـط سطراً صادقاً ينبض بوجعه الخاص، شعـر كأنه وُلـد من جديد وأطـاح بكل قيود التلقين وعبودية القطـيع.
هنا يرتفع صوت السؤال من أعماق الـروح بلا وسيط: "إن كانت لغـتنا هذا البيـت الفسيح، فمن أين تتسلل تـلك الكلمات الثقيلة التي تشبه السلاسل وتجرنا لنتـبع الضجيج بلا عقـل؟"
ليأتي الجواب من صميم التجربة:
السجـن ليس في سعـة البيـت، وإنما في طريقة جلوسنا فيه؛ فمن يستورد قاموس غيره ويردد كـلام الأسواق والإعلام يعيش سجيناً بمعطف واسـع لا يدفئه.
أما من يبحث عن عفـوية الصدق، فيكتشف أن الكلمة النابعة من بئـر الـروح تمتلك إيقاعاً موسيقياً فريداً، تشبه مشعل نـار يفتح الأبواب الموصدة في وجـه العتمة دون استئذان.
وهذا المعنى يلمحه البصير حين يـرى إنساناً يرفض طوفان الشاشات وصخب الاستهلاك السريع، عازفاً عن بيـع صوته لأجـل إعجاب رخيص، مكتفياً بتعففه الشريف وكلمته الطاهرة، بينما العالم يهرول خلـف سـراب المظاهر والديون الثقيلة.
الأمـم أصدقائي لا تسقط حين تمـوت أجسادها، وإنما حين تبيـع لغـتها في سـوق المزايدات، لتظل الكلـمة الحـية وحدها الحصن الأخـير الذي يقاوم طوفـان الخـراب الأبـدي.
سؤالي: من أين سرقوا لغتكم الأولى؟ وبـأي الكلـمات تبيـعون أصواتـكم؟
_____________
#وسام_طيارة_السوري #جدران_ناطقة #فلسفة #كتبي #أدب #ثقافة #لآلئ_اليوم #الغواص @المتابعون

56 مشاهدة