لقاء
على تلك الطاولة المنسية بأحد المقاهي التي لا تتذكر أسماء رواده تجلسين وأنت بكامل أناقتك وعذوبتك يتخذ زجاج النافذة ستارا بينك وبين العالم الخارجي دموع السماء تتزل على الطريق راسمة طرقا لم يسلكها أحد
من الوقت،
حيثُ لا يتذكرُ المقهى أسماءَ زُواره،
تجلسينَ أنتِ...
والزجاجُ بينكِ وبينَ العالمِ ستارةٌ من دموعِ المطر.
تنسكبُ القطراتُ على حافةِ المشهد،
ترسمُ طُرُقًا لم يمشِها أحد،
وفي الخارج...
تراقصُ الريحُ أوراقَ الشجرِ الراحلة،
تذرُوها كأغنياتٍ قديمةٍ نسِيَها المغنّي،
وتكتبُ بها على الأرصفةِ المبللةِ سيرةَ السقوطِ الأنيق.
هناك...
خلفَ ضبابِ أنفاسِكِ المغبَّبِ على الزجاج،
يسرحُ الفكرُ بعيدًا،
حيثُ لا صوتَ إلا لهديرِ الشوقِ الصامت،
تتساقطُ الأفكارُ كالمطر،
وتتطايرُ الذكرياتُ كالأوراق،
ولا يبقى سوى فنجانٍ يبرد،
وقلبٍ يُصغي لإيقاعِ الغياب.
وفي راكِدِ الفنجانِ بينَ يديكِ،
يتماوجُ الدفءُ كوطنٍ صغيرٍ يأبى أن يبرد،
فيما يتسللُ عطرُ المطرِ من تحتِ البابِ المغلق،
مشبعًا برائحةِ الأرضِ التي أثقلَها الحنين،
وأنفاسِ الشوارعِ وهي تغتسلُ من خطى الراحلين.
تلمسينَ حافةَ الخزفِ،
فيتسللُ الغيابُ بينَ أصابعِكِ كبخارٍ يشفُّ ولا يُمسك،
غريبةً عن المكان،
ورفيقةً للسكونِ الذي لا يكسرُهُ إلا طنينُ الملاعقِ العابرة،
وكأنّ المطرَ في الخارجِ لم يأتِ ليروي الشجر،
بل ليغسلَ أثرَ مَن غابوا...
ويتركَكِ وحدَكِ مع الصوتِ والأثر.

5 مشاهدة