
مقال دقيقة للقراءة
دانتيل أسود
"لا يُقاس عمق البحر بصفاء سطحه، ولا تُعرف حقيقة النفوس بما تبديه الوجوه؛ فبعض الصمت حكمةٌ أبلغُ مِنْ ألف حديث، وبعض الظلام ليسَ إلا إستراحةً مؤقتة للنور."
أنا هنا الآن في برودة التراب وثقله أستمع إلىٰ نبضات قلبيِّ الميتة وهي تتناقص ببطءٍ أزلي كأنها طقطقة ساعاتٍ قديمة سقطت في بئرٍ بلا قرار جسدي الممدود علىٰ الخشب العتيق يحمل رائحة الكافور والعفن الأبيض ووجهي المُغطى بطبقات الدانتيل الأسود السميك يشبه شبكة صيدٍ عملاقة علقتُ فيها أبد الدهر بينما تتدلىٰ خيوطه الحريرية السوداء كأنها جذور أشجارٍ سامة تنبت مِنْ مسام وجهي الميت لتمتص بقايا السواد من جوف القبر المظلم أنظر بعينين زجاجيتين مفتوحتين علىٰ مصراعيها إلىٰ سقف الخشب المُبتل فأرىٰ وجه القاتل يرتسم بوضوحٍ سريالي مُرعب يتألف مِنْ أجزاء متناثرة عينان تلمعان ببريق المطر وسكين تقطر دالاً لزجاً وبارداً يسيل ببطءٍ ليخترق حاجز التراب ويسقط فوق شفتي الباردتين كأنه قطرات نبيذٍ أسود فاسد أذكر ليلة الموت تماماً حينَ انغرز النصل الحاد في منتصف صدري فأبتسمتُ له لأنني كنتُ أرغب دائماً في أن أتحول إلى تحفةٍ جنائزية مزينة بالدانتيل الأسود الفاخر الذي أخترته بنفسي ليوم رحيلي الأبدي والآن بعد أن توقف الهواء عن الدخول إلى رئتي أستطيع أن أسمع خطواته الثقيلة فوق قبري كأنها تُقرعُ علىٰ طبلة أذني الميتة وهو يحمل بيده اليمنى قماشاً إضافياً من الدانتيل الأسود ليزيد من إختناقي وحرماني مِنْ الصراخ الذي تحول إلى حشراتٍ صغيرة تدب داخل جمجمتي وتأكل تفاصيل وجهي القديم ببطءٍ لذيذ ومخيف بينما تتقاطع الأكفان وتتداخل الألوان في بصري المُظلم حتىٰ أصبح عاجزة عَنْ التمييز بينَ ما هو حقيقي وما هو هلوسةٍ ذهانية متجددة في عقل إمرأة ترفض مغادرة الحياة رغم أنها تتفسخ في قاع القبر وحدها مع ظلها الميت الذي يرتدي بدوره دانتيلًا أسود ممزقًا وينزف ذكرىٰ الجريمة بلا توقف بلا نهاية وبلا حتىٰ عنوانٍ يرحم وحدتي الخالدة تحتَ الحجارة.
#إيالاڤيا #مجتمع
