يا ليت.. منسأة العجز
في بحر اللغة وبين منعرجات الكلمات ترقد حروفٌ لو كُشفت غشاوة الحسّ عنها لرأيتها دماءً تسيل أو زفرات تطير وإنَّ من أعجب ما نطق به اللسان وسُجن في قفصه البيان كلمةٌ قامت في بنيان اللفظ على خفّة ولكنها جثمت على صدور العباد كالجبال الراسية:
إنها "لَيتَ"
لو فتشنا عن أصلها في ميزان الاشتقاق وبحثنا عنها في دواوين الاصطلاح لوجدناها حرفًا وُضع في ظاهر الأمر لاستدعاء البعيد واستدراج المستحيل غير أنها في كثير من الأحيان قطعٌ لحبل الرجاء وانفصام لعروة الممكن
هي في المعجم لفظةٌ تُعبّر عن رغبةٍ ضلّت طريقها إلى الوجود وفي الواقع هي الّليْتُ بعينه وهو النقصُ والانتقاص كأنما هذه الكلمة ما سُمّيت كذلك إلا لأنها تَلِيتُ الفتى في أمله وتنقُصه من حاضره وتبتر من عمره أياما ناضرة لتُلقي بها في مقابر الماضي السحيق إنها النحت اللغوي للفوات والصياغة البيانية للحسرة
و وا أسفاه على نفس ألِفت هذا اللفظ واستعذبته! فما دخلت ليت في روع امرئٍ إلا وكانت كدابَّة الأرض تأكل مِنْسَأة عزمه
هي المرض العُضال الذي يصيب الإرادة بالكساد ويُلبس الحاضر ثوب السواد ترى المرء ملء السمع والبصر فإذا نطق بها انكمشت روحه وارتدّ بصره خاسئا وهو حسير لأنه بها يهرب من الميدان المشهود إلى الوهم المفقود إنها لقمة العاجز وسلوة الخائب الذي يرى النور أمامه فيُغلق عينيه ويبكي على ظلام قد مضى وانقضى والمأوى الأخير لمن آثروا السلامة الوهمية على وعثاء السعي
ما أشد شؤمها في دنيا الناس! وما أعظم جنايتها على القلوب! إذ تحيل المرء شبحا يعيش في الأمس وهو يمشي في اليوم وتجعله جثة تتحرك بقلب ميت حتى تغدو حياته كلها مسرحا لخيالات لا تسمن وأمانٍ لا تُغني من جوع الحقيقة شيئا
#مجتمع
#أدب
#فضفضة
17 مشاهدة