
مقال 3 دقائق للقراءة
سراب الوحدة العربية بين سراب الحلم والواقع
في سراب الخريطة ورهان الإمكان: هل تحيا أمةٌ في الضمير و تتجزأ في الواقع؟ طالما ظلت "الوحدة العربية" الفكرة الأكثر تعاليًا في المخيلة الجمعية من جهة، والأكثر اصطدامًا بصخرة الواقع من جهة أخرى. إنها تقف حائرة بين "التمني" الذي يغذي الوجدان القومي، وبين "الواقع" الذي يفرض إكراهاته السياسية والجغرافية والاقتصادية. وحين يُطرح السؤال الفلسفي الجوهري: هل يمكن فعلا أن نبني وحدة عربية؟، فإننا لا نطرح سؤالاً عن رغبة عاطفية مجردة، بل عن إمكانية منطقية وتاريخية تتطلب فحص المقومات والوسائط التي تُستمد منها مشروعية أي بناء وحدوي. 1. معضلة الجغرافيا: الحضور الرمزي والقطيعة الحدودية كيف يمكن التأسيس لوحدة تُجاوز الجغرافيا دون أن تنفيها؟ إن الجغرافيا الممتدة من الخليج إلى المحيط ليست مجرد مساحة ترابية، بل هي حيز جيوسياسي تتخلله جدران وسياجات رسمها التاريخ الاستعماري وأكّدها "التشكل القطري" للدول الوطنية الحديثة. من المنظور الفلسفي، الجغرافيا ليست شرطًا كافياً للاتصال النفسي، لكنها عائق مادي صلب أمام الحركة والاندماج. إن الاعتماد على "الوحدة الوجدانية" (اللغة، التاريخ، الثقافة) بمعزل عن الانسيابية الجغرافية والترابية يجعل الوحدة مجرد "ميتافيزيقيا سياسية"؛ فكرة معلقة في السماء لا تجد لها موطئ قدم على الأرض. 2. الاقتصاد والملموس: من الخطاب المبدئي إلى توحيد العملة إن أي تشكل سياسي لا يستند إلى بنية اقتصادية صلبة يبقى هيكلاً هشاً تسقطه أول أزمة. والتساؤل حول مدى إمكانية قيام وحدة دون "وحدة اقتصادية فعلية" ينقلنا من التجريد الفلسفي إلى النجاعة الإجرائية. فالوحدة الاقتصادية ليست مجرد تبادل تجاري هامشي أو اتفاقيات مركونة في الأدراج، بل هي تكامل واستبصار لمصالح مشتركة. وفي قلب هذا التكامل تبرز مسألة "توحيد العملة" كرمز لسيادة اقتصادية مشتركة ومقياس حقيقي للاندماج. إن تجربة الاتحاد الأوروبي تُعلمنا أن العملة الموحدة (اليورو) لم تكن نتاج أمنيات قومية، بل كانت تتويجاً لعقود من التناغم المالي، والضبط الميزانياتي، وتقريب معدلات التضخم والنمو بين دول متباينة. بدون عملة موحدة وسوق مشاطرة حرّ، تظل التجارة بين الدول العربية خاضعة لتقلبات أسعار الصرف القطرية والمواقف السياسية الفجائية. إن غياب توحيد السياسات النقدية والمصرفية يجعل الحديث عن "سوق عربية مشتركة" مجرد بلاغة لفظية لا تُشبع جوعاً ولا تبني اقتصاداً منافساً في عصر التكتلات العالمية الكبرى. 3. بين التمني والإمكان: نحو فلسفة جديدة للاندماج إن العائق الأكبر أمام الوحدة ليس فقط ندرة الإمكانات المادية، بل هو "وهم القفز على المراحل". لقد أُسست أفكار الوحدة سابقاً على شعارات إما/أو (إما وحدة شاملة فورية أو لا شيء)، مما أدى إلى انتكاسات متتالية كرست التجزئة. إذا أردنا تحويل "التمني" إلى "واقع"، فإن المقاربة الفلسفية تقتضي الانتقال من "الوحدة الهوياتية المباشرة" إلى "الاندماج الوظيفي التدريجي": البدء بالمصالح قبل العواطف: تبنى الوحدات الحديثة على شبكات المصالح المتبادلة (الطاقة، النقل، الأمن الغذائي، التكنولوجيا) التي تجعل كلفة التفكك أكبر من كلفة الاستمرار. الواقعية النقدية: الاعتراف بالخصوصية الوطنية لكل دولة، بحيث تكون الوحدة إغناءً للكيانات القائمة وليس محواً لها. البنية التحتية والمؤسسية: التأسيس لسياسات نقدية واقتصادية متقاربة تُموّل المشاريع العابرة للحدود تمهيداً لخطوات تقدمية كـ "توحيد العملة" أو الربط النقدي المنظم. ويبقى السؤال هل الوحدة ممكنة؟ إن الوحدة العربية ليست حتمية تاريخية صماء، كما أنها ليست مستحيلة مطلقاً. إنها مشروع خاضع للإرادة والشرط التاريخي. لن نتمكن من بناء وحدة عربية بالاعتماد على الذاكرة المشتركة وحدها، ما لم تُترجم هذه الذاكرة إلى شرايين اقتصادية، وسوق موحدة، وسياسات نقدية متكاملة، وحرية لحركة الأفراد ورؤوس الأموال. حينها فقط، يتحول الجسر المقطوع بين الواقع والتمني إلى واقع معيش، وتنتقل الوحدة من "أسطورة قومية" إلى "تكتل سياسي واقتصادي عقلاني" يفرض وجوده في عالم لا يعترف إلا بالقوة والكتل الكبرى.
