
مقال دقيقتان للقراءة
أيُهما أسوأ
«العمق الحقيقي لا يُقاس بمدىٰ صخب البدايات؛ بل بقدرة الروح علىٰ الوقوف واثقةً علىٰ أطلال ما أنكسر، مُتكئةً علىٰ صمتها العتيق كأنها لَمْ تعرفْ السقوط قط.»
أيُهما أسوأ؟ أن يموت الشغف ببطءٍ علىٰ عتباتِ الإعتياد وتتآكل الروح مِنْ الداخل كخشبٍ عتيقٍ أكله النمل الأبيض بصمتٍ وهي علىٰ قيدِ الحياة أم أن يشتعل الحنينُ فجأةً في مُنتصفِ العتمة كحريقٍ مهولٍ لا يُبقي ولا يَذر!! فيحيلُ الذاكرة إلىٰ رمادٍ وتفوح مِنْ بينِ أطلاله رائحة الوجع القديم؟ أيها أسوأ حقاً؟ أن نختار المنفىٰ الإختياري هرباً مِنْ مآزقِ القلوب ونقبع في برجِ الصمت البارد نُراقب الحياة مِنْ خلف زجاجٍ غائمٍ لا نؤثر فيها ولا تأثر فينا مُكتفين بفنجان قهوةٍ باردٍ وساعةٍ توقفت عقاربها عَنْ الدوران منذُ أمدٍ بعيد؛ أم أن نرمي بأنفسنا في لُجةِ اللقاء الأخير ونحنُ نعلم تماماً أننا نسير نحو الموت إختياراً نغرق في تفاصيل مَنْ نحبهم حتىٰ الثمالة ثم نستيقظُ علىٰ فجيعة الفقد وغياب الأثر؟ الأسوأ مِنْ هذا كله هو أن نظل بينَ بينَ؛ مُعلقين في سديم البرزخ//__ لا نحنُ إلىٰ الحنينِ نصل فنرتوي__ ولا نحنُ إلىٰ الجفاءِ نأوي فنستريح. هو ذاك الشعور البليد حينَ يفقد الوجع حِدَّته وتصبح الدموع ترفاً لا يَقدرُ عليه القلبْ حينَ تتبخر الأسئلة في فضاءٍ أملس لا يُعيدُ صدىٰ الصوت فنكتشف أننا أصبحنا أشباحاً تسير في طرقاتِ الأيام بخطىً ميتة لا شيء يُزعج سكوننا ولا شيء يُوقظ فينا طعم الحياة سوىٰ طيف باهت لذكرياتٍ لم تعد تَعني سوىٰ أننا كنا هُنا يوماً ومضينا بلا توثيق؟! ربما كان العذاب الأكبر يكمنُ في تلك القدرة المُرعبة علىٰ الإحتمال في أن نعتاد الخراب حتىٰ نستوحشه إذا ما أنصلح وفي أن نُصادق العتمة إلىٰ حد أن يؤذينا ضوء الحقيقة إذا ما تسلل يوماً مِنْ تصدُعِ بابٍ قديم. وحينَ تخترق الروح هذه العزلة المقدسة لا يعود مهماً أياً مِنْ الموتين كان أسوأ؛ أموتَ الحنين المُخدر باليأس!! أم موت الفُجاءة المُشتعل بالجمر إذ تتساوىٰ الفصول في عينيّ مَنْ تيبست جداول روحه وأنطفأت في حناياه كل إشارات الوصول.
#مجتمع #إيالاڤيا
