
مقال 6 دقائق للقراءة
جدلية الحلم والفناء في هذي الفتاة للشاعر زيد خالد بقلم محمد معتوق
أولاً-القصيدة:
هذي الفتاة
هذي الفتاة أنا عليل شبابِها كم أشرب السَكَراتِ طَوعَ عذابِها
أحبَبتها, فأراقَ دَمعَ سَبابَتي نابي, لكي تنسابَ بَسمة نابِها
كم تَستريح وكم أعب لَفافتي فتَلف حولَ تَصبري بعبابِها
وأضيق حتى لا أطيق عواطفي فأسوق شيطاني لِفَتكِ شِهابِها
حلمي أراه يَلوح بين جفونِها لكنَ موتي حلَ في أهدابِها
بفتونِها كم قد تَرَنَمَ بلبلي فَلِمَ افتِتاني سَلوةٌ لِغرابِها..؟
هي درَةٌ وقَفت أمامَ شواطئي ومَشت تريق عليَ من إعجابِها
جاءت بها الأقدار نحوَ موانئي ألقت بأسبابي على أسبابِها
أنساب لا أدري وتَعرِف أنَه : يَشتَد نَزع الحبِ في منسابِها
وتثيرني وأنا جناح فَراشةٍ متوجِعٌ يشكو انتِشارَ ضبابِها
فرهنت إحساسي وجِئتكَ متعَباً يا شاطئي لأريكَ ما بمصابِها
هاكَ استَمع واسمَع خريرَ مواجعي يَكفيك ما استوت الحياة بقابِها
إني احترقت على رصيفِ غرورِها وشربت منها زَمهريرَ ذهابِها
ورشفت آذاري بشرفة روضِها وتضيق صحرائي بحرقةِ آبِها
وأضعتها لما وجدت محطتي تشكو بروداً نام في أعصابِها
كم للرياح شكوت وهلةَ عَطفِها فتزيد عندي طَيةً لِثيابِها
وسألت عن فَمِها الورودَ فلم أنل ما جئت فيه ولم أفز بجوابِها
فَتَرَكت أغنيتي على أوتارِها وجريح لحني زادَ في إطرابِها
وبحثت عن كَهفٍ لأبعدَ ليلةً شكوى جنوني عن جنونِ صوابِها
وتعبت من حيث استحالَ تَهربي إذ قد أذابَ الوجد روح مذابِها
فرجعت من حيث ابتدأت هواجسي متسولاً بالشوقِ في أبوابِها
ورجعت أرفع في هواها رايتي وغزلت صوتي مِعطفاً لِقبابِها
فلمَ الهروب وقد قتلت قصيدتي..؟!! ونحرت قافيتي بِعِيدِ غيابِها
حاولت لكني فشلت تَخَلصاً إذ قد أذابَ الوجد روحَ مذابِها
دوني إلى الأحلامِ بحر حيائِها وطفِقت بالأوهامِ في سردابِها
سأكون أغزلَ شاعرٍ متحضِرٍ لو مرةً أسقى رحيقَ رضابِها
أرهقت أوراقي بلغز عيونها وحملت آفاقي إلى أسرابها
عَبَرات ذِكراها ترَوِع مضجعي كم قِمت ليلَ الحبِ في محرابِها
فمتى سأغرب عن مسارحِ لوعتي وهناكَ أسدله ستارَ عتابِها
عذراً فقد فقدت حدودَ خريطتي أقدام حبي وانتَهت لِسرابِها
أمشي مقاداً تحت سطوةِ حَيرتي ( ما بي ) تراكمَ فوقَ سورةِ ( ما بها )
أواه.. كم اواه قلت بقربِها أمسى اشتياقي للخريفِ مشابِها
والليل جاءَ وحانَ موعِد سهرتي فَليَنكَشِف صدري لِطَعنِ حِرابِها
فإذا الصباح أتى يبيح خميلتي ووِجدت مَيتاً فوقَ سطرِ كتابِها
لا تـتـلِـفـوها . إنَ تِلكَ وصيـتي : جثمان حبي من نَصيبِ ترابِها * * * الشاعر العراقي زيد خالد ثانياً-القراءة النقدية :
في قصيدته هذه الفتاه ياخذنا الشاعر العراقي زيد خالد في رحلة شعرية وجدانية الى عالم شعري متشابك تتداخل فيه الرموز والصور والاستعارات حيث تغدو الانثى فيه اكثر من حبيبة او معشوقة عابرة اذ تتحول الى مركز دلالي تتقاطع عنده مفاهيم الحلم والغياب والافتتان والفناء باسلوب سردي مكتنز بالشعرية انطلاقا من تجربته الشعورية التي تجاوزت ظاهرة البوح الوجداني العاطفي الى أفق رمزي وإنساني أكثر اتساعاً كشف فيه عن مستويات أكثر عمقاً في المعنى الشعري الذي أراده فمن الناحية البنيوية يقوم النص على حركة درامية متصاعدة تبدأ بالافتتان بالمعشوقه وتنتهي بالموت الرمزي حيث يعلن الشاعر في هذا النص استسلامه الكامل لسحر الانثى منذ البداية دون إبداء أية مقاومة حيث يقول : "هذه الفتاة أنا عليل شبابها كم أشرب السكرات طوع عذابها " لتنشأ منذ البداية علاقة غير متوازنة بين ذات عاشقة وموضوع عشق يمتلك سلطة التاثير والهيمنة المطلقة على الذات الابداعية للشاعر حيث تتوالى بعد ذلك صور الانجذاب والانبهار فتظهر الأنثى بوصفها مركزاً للجمال ومصدراً للدهشة قبل أن تتنامى تجربته الشعورية الى مرحلة التورط الوجداني الكامل حيث يغدو الحب قدراً لا مفر منه لا يمكن الإفلات والنجاة منه فحين ندخل إلى البناء الداخلي للقصيده نجده قائماً على مجموعة من الثنائيات المتقابلة التي تمنح النص حركة دلالية مثل ثنائية " الحلم والموت" و"الوصول والحرمان " و"الدفء والبرود" و"الحضور والغياب" حيث تتجسد هذه الثنائيات في معظم الأبيات التي تمثل نقاط ارتكاز داخل النص الشعري كقوله :"حلمي اراه يلوح بين جفونها لكن موتي حل في اهدابها " فالأنثى هنا تجمع بين نقيضين فهي موضع الحلم وموضع الهلاك في آنٍ واحد معاً الأمر الذي يضفي على التجربة العاطفية طابعا ماساويا متناميا كما يكشف البناء الداخلي للنص عن حضور ثلاث حقول دلالية رئيسة تهيمن على النسيج الشعري اولها حقل البحر الذي يتجلى في الفاظ الشاعر "الشواطئ الموانئ العباب الانسياب "وثانيها حقل النار الذي يظهر في مفردات "الاحتراق الاذابه الشهاب الحراب" وثالثها حقل الموت الذي يتكرر عبر الالفاظ "الجثمان والذهاب والموت والنحر" حيث تتشابك هذه الحقول فيما بينها لتشكل شبكة دلالية متماسكة تجعل الحب رحلة بحرية تنتهي بالاحتراق ثم بالفناء واذا ما دخلنا عمقا في المعنى الشعري للقصيدة نقول بأنها تتجاوز البعد الغزلي المباشر الى فضاء العلامة والرمز فالفتاه ليست شخصية واقعية فحسب بل تتحول الى علامة كبرى تختزن معاني الجمال المطلق والحلم المستحيل إنها تمثل موضوع الرغبة الذي تسعى الذات الشعرية الى بلوغه دون أن تتمكن من امتلاكه بصورة نهائية ليضعنا أمام تساؤلات كبرى هل هذه الفتاة هي العراق الوطن بما فيه من مآسٍ وآلام وهل وجد الشاعر نفسه في هذا الوطن غريبا يعاني فيه عزلة روحيه يعبر من خلالهاعن اغترابه النفسي من جهه وتمسكه واستسلامه المحتوم لهذه الانثى الفتاه من جهة أخرى حيث يتجلى هذا الاغتراب في بعده النفسي في توظيف البحر بوصفه رمزا للمصير العاطفي فالعاشق يظهر في صوره سفينه تائهه تبحث عن ميناء بينما تتحول الفتاه الوطن الى شاطئ بعيد او مرفا عصي على الوصول لذلك تتكرر مفردات الرحلة والحركة مثل "أمشي"" رجعت ""ابتدات ""موانئ ""ابوابها ""محطه "وهي جميعا تشكل ما تسميه السيميائيات "برنامج السعي" حيث تنطلق الذات نحو هدف محدد لكنها تنتهي الى الاخفاق وبما أننا تطرقنا الى سيمياء النص فلا بد ان نتحدث عن سيمياء الجسد حيث تحضر في نصه بوصفها نظاما رمزيا لا وصفيا حسيا مباشرا "فالعيون والجفون والاهداب والفم "لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب بل تتحول الى علامات حاملة للمعنى فالأهداب مثلا تصبح مكانا وجوديا للموت والجفون موطنا للحلم والرضاب رمزا للخلاص المنشود وهكذا يتجاوز الجسد حضوره الفيزيائي ليغدو بنية دلالية متكاملة ومن أبرز المستويات السيميائية في النص حضور الكتابة ذاتها فالشاعر لا يكتفي بوصف معاناته بل يجعل القصيدة موضوعا داخل القصيدة حيث يقول:" فلم الهروب وقد قتلت قصيدتي ونحرت قافيتي بعيد غيابها "هنا تتحول الكتابة الى ضحية أخرى للحب ويغدو العجز عن الظفر بالمحبوبة عجزا موازيا عن إنقاذ اللغة نفسها ومن ثم تنتقل التجربة من قصة عشق الى تأمل شعري في حدود التعبير وعلاقة اللغة بالألم وتبلغ القصيدة ذروة كثافتها الدلالية في خاتمتها اللافتة حين يقول :"لا تتلفوها إن تلك وصيتي جثمان حبي من نصيب ترابها " فهذا البيت لا يمثل نهاية عاطفية فحسب بل يلخص المسار الرمزي للنص بأكمله لقد بدا العاشق مفتونا بالجمال وانتهى مندمجا في تراب معشوقته وكأنَّ الحب قد اكتمل عبر الفناء وهنا يتحول الموت من نهاية بيولوجية الى صورة رمزية للذوبان الكامل في موضوع العشق إن القيمة الفنية لهذه القصيدة لا تكمن في سرد تجربة حب تقليدية بل في قدرتها على بناء عالم شعري طافح المعنى دلاليا وشعوريا تتشابك فيه الرموز والعلاقات والثنائيات الدلالية ضمن بنية متماسكة فالفتاة الأنثى ليست مجرد معشوقة والبحر ليس مجرد فضاء مكاني والموت ليس خاتمة ماساوية بل جميعها عناصر داخل منظومة رمزية واحدة تجعل النص رحلة وجودية تبحث عن الحلم في أقصى تجلياته ثم تكتشف أن الوصول اليه لا يتم إلا عبر الفقد انتهى
