هل تأملت؟
هل تأمّلت يومًا في طرف إصبعك؟
تأمّل هذا الجزء الصغير من جسدك، وتأمّل ما أودعه الله فيه من أسرارٍ دقيقة، وتراكيبَ مدهشة، ووظائفَ لا يكاد العقل يحيط بتفاصيلها!
إن ما تراه في هذه الصورة ليس مجرّد طرف إصبع، بل منظومة متكاملة من الأنسجة والأعصاب والأوعية الدموية والعظام، تعمل جميعها في انسجامٍ مذهل، لتمنحك القدرة على الحركة والإحساس والتفاعل مع العالم من حولك.
ذلك الظفر الصغير الذي تراه في الأعلى ليس سوى جزء من هذا البناء الدقيق؛ تحته وحوله أنسجة متخصصة، وترتبط حركة الإصبع بأوتارٍ تنقل قوة العضلات، فتتيح لك ثني الإصبع وبسطه، والإمساك بالأشياء والتعامل معها بدقة.
وفي هذا الجزء الضئيل تنتشر نهايات عصبية حسّاسة، تمكّنك من إدراك اللمسات الخفيفة، والتمييز بين الأسطح المختلفة، والشعور بالألم والحرارة. كما تتفرّع أوعية دموية دقيقة تحمل الأكسجين والمواد الغذائية إلى الأنسجة، بينما يمنح العظم الموجود في نهاية الإصبع هذا الجزء الصغير دعامةً وصلابةً تساعدانه على أداء وظائفه.
ولعلّك تتساءل: لماذا نشعر بألمٍ شديد حين نتعرّض لضربةٍ على الظفر، رغم أن الضربة قد تبدو بسيطة؟
ذلك لأن الأنسجة المحيطة بالظفر وسرير الظفر غنيّة بالنهايات العصبية الحسّاسة، ولأن الضربة قد تضغط على هذه الأنسجة الرقيقة، أو تتسبّب في إصابتها، فينشأ ألمٌ قد يكون شديدًا، خصوصًا إذا تجمّع الدم تحت الظفر.
تأمّل حجم هذه التفاصيل، ثم تأمّل دقّة وظائفها!
جزء صغير لا يتجاوز بضعة سنتيمترات، ومع ذلك تتكامل فيه أنظمة متعددة لتؤدي أعمالًا نعتمد عليها في كل لحظة؛ من لمس الأشياء والإحساس بها، إلى الكتابة والإمساك، ومن أبسط الحركات إلى أدقّ المهارات.
فكم من أسرارٍ تحيط بنا، نراها كل يوم، لكننا لا نتوقّف أمامها لنتأمّلها! وكم من آياتٍ عظيمةٍ في أجسادنا، تمرّ أمام أعيننا دون أن نستشعر عظمة ما فيها!
إن التأمّل في خلق الله لا يحتاج دائمًا إلى النظر في السماء أو امتداد البحار؛ فقد تكفي نظرةٌ متأنّية إلى طرف إصبعك لتدرك أن وراء هذا البناء الدقيق حكمةً تستحق التفكّر، وأن الإنسان يحمل في جسده من دلائل عظمة الخلق ما يدعوه إلى التأمّل والشكر.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

14