واقعك الرقمي... ليس كما تظن!
هل ترى العالم كما هو... أم كما تريدك الخوارزميات أن تراه؟
قد تظن أنك ترى العالم على حقيقته، وأن ما يظهر أمامك عبر شاشة هاتفك يعكس صورةً أمينةً لما يجري من حولك، لكن الحقيقة أن ما تراه ليس بالضرورة الصورة الكاملة؛ فنتائج البحث، والمنشورات التي تتصدر صفحتك، والمقاطع التي تقترحها المنصات عليك، لا تظهر جميعها بمحض المصادفة، بل تتدخل الخوارزميات في اختيار كثير منها، استنادًا إلى اهتماماتك، وسلوكك السابق، وطبيعة تفاعلاتك مع المحتوى.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يبحث شخصان عن الموضوع نفسه، أو يتابعان الحدث ذاته، ثم يخرجان بانطباعين مختلفين تمامًا عنه. ليس لأن الحدث قد تغيّر، وإنما لأن كلًّا منهما تلقّى معلومات مختلفة، ورأى جوانب لم يرها الآخر، وغابت عنه تفاصيل ظهرت في شاشة غيره،
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه التجربة أكثر تخصيصًا ودقة؛ إذ باتت الأنظمة قادرة على تحليل أنماط اهتمام المستخدمين، والتنبؤ بما قد يجذب انتباههم، ثم تقديم محتوى يتوافق مع ميولهم وتوقعاتهم. وقد يؤدي ذلك، مع مرور الوقت، إلى ترسيخ الأفكار التي يؤمن بها الإنسان أصلًا، وتقليل فرص اطلاعه على آراء ووجهات نظر مغايرة. وتُعرف هذه الظاهرة في بعض صورها باسم «فقاعات الترشيح».
ولا تكمن الخطورة بالضرورة في أن الخوارزميات تختلق واقعًا غير موجود، بل في أنها قد تنتقي جانبًا من الواقع، وتكرره أمامك باستمرار، بينما تحجب عنك جوانب أخرى؛ حتى تألف الصورة التي تراها، وتظن أنها تمثل الحقيقة بأكملها. ومع ذلك، ينبغي ألا نغفل أن تأثير هذه الخوارزميات يختلف باختلاف المنصات والمستخدمين، وأن تخصيص المحتوى لا يعني بالضرورة وجود تلاعب متعمد.
لكن المشكلة الأعمق تتجاوز مجرد طريقة عرض المعلومات؛ إنها تتعلق بقدرة الإنسان على إدراك أن رؤيته للعالم قد تتشكل تدريجيًا بفعل ما يتعرض له يومًا بعد يوم. فقد يجد نفسه محاطًا بمعلومات تبدو متناسقة ومنطقية، وتؤكد قناعاته باستمرار، دون أن ينتبه إلى أن هناك حقائق أخرى، أو زوايا مختلفة، لم تتح له الفرصة لرؤيتها.
من هنا، لم يعد التفكير النقدي مجرد مهارة معرفية، بل أصبح ضرورة لحماية وعينا من الانغلاق داخل صورة واحدة للعالم، ولذلك، احرص على تنويع مصادرك، ومقارنة التغطيات المختلفة، والتحقق من أصول المعلومات، ولا تكتفِ بما تقدمه لك المنصة؛ بل ابحث بنفسك عما قد يكون غائبًا عن المشهد، واستمع إلى وجهات نظر لا تتفق بالضرورة مع قناعاتك.
فليس كل ما تراه كذبًا، لكن كل ما تراه ليس الحقيقة كاملة، وفي عالم تستطيع فيه الخوارزميات أن تختار لكل إنسان صورة مختلفة عن الواقع، ربما لم تعد المهارة الأهم هي معرفة ما يظهر أمام أعيننا فحسب، بل امتلاك الوعي الكافي لاكتشاف ما غاب عن الصورة.

14










