
مقال دقيقة للقراءة
زيف الاستهلاك ومأساة العقل المستقيل
في فصام الكينونة العربية: زيف الاستهلاك ومأساة العقل المستقيل"
«إننا نعيش اليوم حالة من "الفصام الحضاري" الحاد؛ نلتهم ثمار الحداثة الغربية بشغف نفعي مجرد، نتبنى أدواتها في الترف، والرفاهية، وتحسين تفاصيل الحياة اليومية، لكننا في الوقت ذاته نُظهر عداءً جدارياً لروح تلك الحداثة: للعقلانية النقدية، ولمبادئ الشك المنظم التي كانت القابلةَ التي وضعت تلك الابتكارات في رحم الوجود. إننا نبتلع المُنْتَجَ وننفي المنهج، ونعيش في كنف النتيجة بينما نحارب المقدمات التي أدت إليها.
هذا التلفيق ليس مجرد موقف فكري عابر، بل هو نخرٌ بنيوي يتآكل من خلاله الإنسان العربي من الداخل. ولئن كان هذا المزيج الهجين في الماضي شبيهاً بعلامات انكسار الفكر الفلسفي الإسلامي إبان محاولات "التوفيق" التجميعي بين النص الإسلامي والمنطق اليوناني—حين أُفرغ العقل من فاعليته لصالح الجمع القسري بين الضدين—فإنه اليوم يتجاوز أزمة الفكر ليعلن أزمة الكينونة.
إن الاستهلاك الأعمى لأدوات حداثةٍ نرفض قيمها التأسيسية لا يمثل مجرد عجز عن الإنتاج، بل هو إيذانٌ بتفكك الشخصية العربية وانهيار مقوماتها الذاتية؛ شخصيةٌ تمشي بأقدامٍ تقنيةٍ غربية، وتحمل عقلاً يرفض الأدوات الذهنية التي صنعت تلك الأقدام. إنه يُنتج كائناً يعيش في تغرّبٍ مضاعَف؛ يستقلّ الطائرة وهو يكفّر علم الطيران، ويستخدم وسائل التواصل الحديثة ليشتم بها المبادئ الفلسفية التي أتاحت له حُرية القول والتواصل، فتسقط المجتمعات في حالة من "العطالة العقلية" وتحتفظ بدور المستهلك العاجز على هامش التاريخ.
إن الخروج من برزخ التلفيق هذا لا يكون بالرفض الأعمى للحداثة ولا بالاستسلام السلبي لها، بل بممارسة "عقلانية نقدية" تتجاوز عقدة الخوف من الآخر، وتتجرأ على تفكيك الموروث وإعادة بنائه؛ عقلانية لا تستورد الأدوات وتستبعد الفكر، بل تتملك أدوات الفكر لتصنع أدواتها الخاصة وتستعيد حضورها الحضاري.»
