الغرفة...
جلستُ قبالها...
تتكاثر في عينيها الغرف...
كانت يداها ترتجفان....
تحملان قارةً من الزجاج...
حدقتاها متسعتان على بياض...
كانت هناك الرؤوس تطفو...
عيونٌ منزوعٌ منها مركز النظر...
وجوهٌ أكلت ملامحها فراشاتٌ عمياء...
تطاردها...
تلتف حول كتفيها...
تسبق خطوتها إلى الممر...
ثم تنحني ضاحكةً من وراء الجدار...
كنت أراقب المشهد...
ينحت نفسه في هواء الغرفة...
رأسٌ يخرج من سقفها...
آخر يتدلّى من مصباحٍ أصفر...
عيونٌ بيضاء تتدحرج على الأرض كأقمارٍ اقتُلعت من مداراتها...
كلما حاولتُ تثبيت نظري على واحدةٍ منها...
انفتحت في داخلي حفرةٌ صغيرة...
وسمعتُ شيئًا يركض في قاعها...
سألتها... ماذا ترى حين تنظر إليها هذه الرؤوس؟
لم تجبني...
كانت تضحك...
ضحكتها تشقّ الهواء مثل شريطٍ من حرير مشتعل...
نهضت من مقعدها وركضت...
انعطف جسدها عند الباب...
ثم عاد من جهةٍ لم تكن موجودة...
بدت الغرفة أوسع من هندستها...
الممر يلد ممرًّا...
الجدران تنسحب إلى الخلف...
الرؤوس تلاحقها بأعينها البيضاء...
وتترك خلفها رائحةً تشبه المطر فوق الحديد...
في ركضها شيءٌ من طقوسٍ قديمة...
قدماها تقرعان أرضًا لا أراها...
ذراعاها تشقّان ستارةً من ضوء...
ضحكتها تتناثر بقعًا زيتية على الهواء...
للمرة الأولى...
لم أرَ جسدًا يحاول الفرار من مكانه...
رأيت نقطةً صغيرة في مركز دوّامة...
وكل شيءٍ يدور حولها...
كانت الكون الذي تعرفه...
والرؤوس أقمارها الطائشة...
كل بضعة أشهر...
تعود إلى هذه المطاردة كما يعود الرسّام إلى جرحٍ تركه مفتوحًا على حافة لوحة...
تنتظرها في الأيام الباهتة...
تجلس خلف زجاج الوقت...
تصغي إلى صرير الساعات وهي تمضغ الدقائق...
تتراكم الساعات فوق صدرها طبقاتٍ من رماد...
يصبح النهار ورقةً بلا سطح...
يصبح الليل بئرًا جافة...
ثم تأتي الرؤوس...
يبيضّ العالم فجأة...
تستيقظ الممرات في داخلها...
تنبت العيون على الجدران...
تتحرك خيالاتها بأقدامٍ صغيرة...
ويصير للصمت فمٌ يعرف كيف يناديها...
أحيانًا أتخيّلها جالسةً في منتصف رأسٍ هائل...
تحيط بها دهاليز ملتوية...
وعلى كل باب عينٌ بيضاء بدل المقبض...
تفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر...
خلفها وجوهٌ بلا أسماء...
لا يسألونها عن سبب ارتجافها...
لا يفتشون في صوتها عن خلل...
لا يضعون حزنها تحت ضوءٍ بارد...
يأتونها بهيئة لا تعرف وصفها...
يمنحونها حضورًا لا يحتاج إلى شرح...
أراقبها من مكاني...
أراقب يديها...
انحناءة ظهرها...
ذلك البريق الذي يمر في عينيها كسمكة...
أحاول أن أسمع ما يتجاوز الضحك...
ثمة لغةٌ تتكسر على عتبة الغرفة...
مقاطع صوتية من معدنٍ رقيق...
نداءاتٌ تتخفّى في ارتعاش الأصابع...
حوارٌ كامل يجري في المسافة بين رأسين...
ولا تصلني منه سوى ذبذبةٍ خافتة...
أمدّ يدي نحو علبة الألوان...
الكانسون الخشن ينتظر فوق الطاولة...
سطحه أبيض كجلدٍ لم تمسّه الشمس...
أضع الأزرق إلى جوار الأسود...
أفتح أنبوب الأحمر...
فتخرج منه رائحةٌ كثيفة...
كأنني ضغطت على قلبٍ دُفن تحت طبقات تراب...
أفكر في الرؤوس...
في عيونها المفرغة...
في ذلك البياض الذي لا يطالبها بشيء...
أريد أن أمنحها مكانًا خارج جدران رأسها...
مساحةً لا يطاردها فيها أحد...
قماشًا يتسع للركض...
للضحك...
للارتباك الذي يتخذ شكل جناحين...
أريد أن أرى ما يحدث حين تنتقل تلك الكائنات من هواءٍ مضطرب إلى أثرٍ ملموس...
حين تترك وراءها خطوطًا تستطيع هي أن تلمسها...
وتقترب منها...
وتبتعد عنها بإرادتها...
أضع الفرشاة أمامها...
تتوقف...
تحدق في الشعيرات...
تحدق في أصابعها...
ثم تنظر إلى زاويةٍ فارغة فوق رأسي...
حيث يبدو أن أحدًا يقف بصمت...
ترفع يدها...
تختار الأبيض...
تضغط اللون على الورقة...
تتفتح بقعةٌ مستديرة...
ترسم حولها خطوطًا متعرجة...
ثم تضيف عينين بلا بؤبؤ...
يخرج الرأس من الصفحة كأنه كان ينتظر تحتها منذ زمن...
تلحق به رأسًا آخر...
ثالثًا...
تتشابك الأعناق في ممراتٍ ضيقة...
تتناثر العيون على أطراف الخطوط...
وتظهر في الفراغات الصغيرة أفواهٌ تشبه شقوق الأرض اليابسة...
تضحك...
تغمس الفرشاة في الأحمر...
وترسم طريقًا طويلًا يلتف حول الرؤوس...
طريقًا لا يصل إلى باب...
يمرّ تحت عينٍ ضخمة...
ثم يصعد إلى أعلى الورقة...
حيث ترسم دائرةً زرقاء وتترك وسطها نقطةً بيضاء...
تتراجع قليلًا...
تنظر إلى ما صنعت...
أرى أصابعها تهدأ للحظة...
الورقة تحمل عالمها...
بقعةٌ من الفوضى استقرت أمامنا...
شيءٌ يمكن الإشارة إليه...
شيءٌ له حدودٌ قابلة للاتساع...
أفكر في يدي التي ظلت طويلًا تبحث عن تفسير...
أفكر في المسافة بين أن أُسكت صورةً تسكن أحدًا...
وأن أترك له فرصةً كي يمنحها شكلًا...
لا أعرف ما الذي يحدث في أعماقها...
لا أملك مفتاحًا للغرف التي تتكاثر خلف عينيها...
أملك ورقةً خشنة...
وألوانًا مفتوحة...
ووقتًا يمكن أن يتسع لإنصاتٍ لا يستعجل الوصول...
تواصل الرسم...
تضيف إلى أحد الرؤوس جناحين أسودين...
تجعل رأسًا آخر صغيرًا بحجم حبة رمان...
ترسم عينًا بيضاء فوق خطٍ أزرق...
ثم تحيطها بدوائر متداخلة...
كنافذةٍ تغرق في بئر...
أتابع يدها...
تتحول الحركة إلى إيقاع...
الإيقاع إلى أثر...
الأثر إلى شيءٍ يستطيع الضوء أن يقع عليه...
في الخارج...
تمرّ سيارة...
يرتجّ الزجاج...
ترفرف ستارة النافذة...
داخل الورقة...
تتوقف الرؤوس عن الركض...
تجلس حول دائرةٍ حمراء...
وتترك في وسطها مساحةً بيضاء واسعة...
تنظر مريضتي إلى تلك المساحة طويلًا...
ثم تضع إصبعها فيها...
وتقول بصوتٍ خافت:
هنا أستطيع أن أراهم...
أبقى صامتةً أمام الورقة...
أشعر أن البياض اتسع قليلًا...
وأن الغرفة صارت أقل ضيقًا...
وأن شيئًا ما وجد له سطحًا يستريح فوقه...
تنام الفرشاة بين أصابعها...
أما العين الأخيرة...
المرسومة عند حافة القماش...
فتبقى مفتوحة...
تراقبها...
ولا أعرف أيّهما كان يحتاج إلى الرؤية...
#مجتمع #رقة_الغيم #هديل_هندم #أدب
10 مشاهدة