قصة قصيرة
ضحك اخر الليل/
ضجيج الليل من حوله،
يلفّه وشاح القلق في ليلة شتاء باردة.
يدور في الشوارع، يديه مدسوسة في جيوبه دساً، عيناه متذللتان نحو الأرض،
يمشي في الأزقة ببطء، وكأنه مكبل بالسلاسل، جسده يشكو ثِقلا،
كأنه يحمل أطنانًا،ونبضات قلبه تتسارع
مع تكّات الثواني.
في داخله صرخات صامتةتكسر هدوء الليل. يركل الحجارة بقدمه،
يصدر همهمات حروف هاربة من شفاه متجمدة.
يسير على غير هدى.. توقّف أمام محلٍ مغلق.
الواجهة الزجاجية عكست صورته ؛ فإذا هي بائسة باهتة، كأنه شخص آخر لا يعرفه.
مدّ يده إلى جيبه،
أخرج محفظته فتحها ببطء.
لا صور…لا أوراق مهمّة…فقط إيصال مطويّ،
فقد ملامحه من كثرة ما فُتح.
ابتسم بسخرية:الأرقام ثابتة، لا تتغيّر،
وحدي أنا من يتغيّر…وأشيخ.
رنّ هاتفه. تجمّد في مكانه.
لم ينظر إلى الشاشة،
ترك الهاتف يهتز في جيبه حتى صمت،
شدّ معطفه أكثر ليس اتقاءً للبرد،
بل ليخفي ارتجافة يديه
وانكسار عينيه. رفع رأسه يناجي السماء،
فإذا هي منخفضة، رمادية،
تشبه صدره الذي أتعبه الهم.
توقّف أمام محلٍ لبيع الأحذية.
تذكّر صوت ابنه صباحًا:
بابا… متى نشتري حذاءً جديدًا؟
لا يدري لما ابتلع وعدًا يعرف أنه لا يملك ثمنه.
مشى…
لأن الوقوف صار مؤلمًا أكثر.
رنّ الهاتف مرةً أخرى..لم يعد بإمكانه تجاهل رنين المصيبة مجدداً..
بيدٍ مرتجفة أمسك به،
استمع إلى كلمات أثقلت كاهله، وعيدٌ أخير إن لم يدفع ثمن الإيصال.
أغلق الهاتف، ورماه طريحاً على الأرض. جلس على الرصيف،وضع يديه على رأسه، ربي كيف أنسى يوماً كنتُ فيه تاجرًا،
الناس تطلب رضاي، أُقرض المحتاج
وأُعين المسكين…ثم جاء يوم
صرت فيه مسكينًا،
محتاجا، انفضّ الجميع من حولي..
ربي لقد تآمروا علي ومكروا بي، أدخلوني تجارة خاسرة لم أجنِ منها إلا ايصالات ديون .. ماذا بقي لأبيعه إلا أولادي لأسدد مستحقات الوصل الأخير..
مرّ بقربه شابان يشعّ وجههما بالتفاؤل ويتطاير من حديثهما وعود الربح والنجاح والتوفيق والحياة الجميلة التي بانتظارهما نظر إليهما…
ثم ضحك...تعالت ضحكاته،
ابتعدا عنه،..ظناه مجنونا.
توقف قليلا،
مسح دمعة لم تسقط،
وتمتم:
لا أعرف لم أضحك…ولكن الدنيا
مضحكة حدّ الثمالة.
..........
غفران سويد
6 مشاهدة