قصة قصيرة
قصةقصيرة/
الضمير…
في ليلةٍ ماطرة، كان تائهًا يجوب طرقات المدينة، ويلفّ حوانيتها، فيما الأضواء بحياءٍ تعانق الشوارع، رأى وجوهًا أرهقها التعب، وأحاديثَ متناثرة، وتساؤلاتٍ تسير بلا أقدام... حاول طلب المساعدة، لكن الأبواب أُوصدت في وجهه.
لمح جمعًا من الرجال يلتفّون حول منبرٍ اعتلاه أحدهم ليخطب في الناس عن الأخلاق ورفع الهمم، اقترب منهم وقال:
"مرحبًا، أعتذر عن تطفّلي، لكن هل من مساعدة؟".
وقبل أن يتمّ كلامه
صاح الخطيب: لو استطعنا، لساعدنا أنفسنا!، ثم عبس في وجهه وأردف: "هيا، اغرب من هنا!
تراجع الغريب والخذلان يثقل خطاه
وقال: حسنًا، يبدو أنني دخلت المكان الخطأ..، لكن كلمات الرجل أيقظت في داخله سؤالًا موجعًا:
أهذا فساد العالم، أم خيباتٌ استوطنت النفوس،
وأنّ الأخلاق كلامٌ يقال ولا يُعاش؟
أمعن النظر في المدينة، سكانها غارقون في صراعٍ لا يهدأ، تحرّكه أيادٍ خفيّة، والنفاق بسط ظلاله على القلوب،
والشعارات تقرع الآذان بزيف الحقيقة.
، فبدت مدينةً مسلوبة اللغة، وتقاسيمها خواءٌ...
تساءل بمرارة: أهي غيمةٌ عابرة، أم أن لون السماء قد تغيّر؟ داهمه شعورٌ خانق بأن المدينة تضيق به، ولم يعد يجد فيها موطئًا للضمير. وبينما كان يتهيّأ للمغادرة، باغته صوتٌ من أعماقه:
— أتهرب، أم تبحث عن خلاص؟
حاول إسكات الصوت، لكنه ظلّ يلاحقه، ويحوّل كل نافذةٍ مغلقة إلى مرآةٍ يرى فيها تردّده وخوفه، طال وقوفه في صراعه الصامت، حتى حسم أمره بالرحيل، حزم أمتعته ومضى، وقبل أن يبتعد، استوقفه طفلٌ، ونظر إليه ببراءةٍ سائلًا:
— أين أجد الضمير في هذه البلدة؟
تجمّدت خطاه، والتفت ليعيد النظر في وجه الطفل طويلًا.. لكن الطرقات كانت خلفه خالية، ولم يكن هناك سوى صدى السؤال يتردد بين الجدران الباردة، ورياح الليل تمسح ما تبقى من أثر.
.............
من كتاب الى العابرين في الذاكرة
غفران سويد

1 مشاركة6 مشاهدة