
مقال دقيقتان للقراءة
نَـزف مع گلِّ خطوة
«الحياة سُلمٌ من سكاكين؛ إما أن تنزف مع كل خطوة تعلو بها، أو تتوقف لتُصبحَ جزءاً مِنْ حديد الألم، فلا النجاة في بلوغ القمة ولا الراحة لمن سقط»
يصعدون ولا يصعدون فالأرض تموج كبطن حوت جريح و"سلم السكاكين" ينغرس في باطن الأقدام ليخيط اللحم بالحديد والصدأ المالح حيثُ النصل الأول يقطع ظفر الإبهام ويترك خيطاً مِنْ دم أسود يقطر بلا صوت علىٰ درجات تصطف كأضفار ميت في قاع الجُب بينما الجدران تضيق وتتسع علىٰ إيقاع أنفاس مُختنقة برائحة الشحم المحروق والشعر المرطوبِ بالصقيع وكلما إرتفع الصاعد خطوة تشبث الحذاء بلحم الحافات الحادة فتنفر الأوردة زرقاء ممتدة كأغصان شوك عارية تبحثُ عَنْ سماء لا تظهر أبداً لأن السقف عبارة عَنْ سماء مِنْ جماجم مِطفأة ترمق الفراغ بأجفان مُخيطة بخيوط مِنْ كتان خشن، ولا شيء هنا سوىٰ هذا الصرير الرتيب نصل ينهش عقباً ونصل يفتح وشماً في راحة كف متيبسة تتلمس الفراغ البارد بحثاً عن صاعد آخر أو ربما عن جدار تهوي عليه الجبهة المكسورة، فالطريق لا ينتهي ولا يحني ظهره بل يستقيم كإبرة صلبة تغوص في عمق الذاكرة بلا تمهيد وبلا رصيف إستراحة لأن الإستراحة تعني أن يلتصق الجسد كله بالحدود القاطعة فيصبحُ جزءاً من الهيكل المعدني للدرج الذي يبتلع الصرخات ويطحنها طحناً ناعماً يتصاعد كغبار أبيض يملأ الحناجر ويجعل اللسان خشبة يابسة لا تقوىٰ علىٰ التلفظ بغير صرير الأسنان المرتجفة مِنْ هول صمت أعمق مِنْ الهاوية ذاتها حيثُ تتكاثر السكاكين وتتكاثر معها الأطراف المبتورة التي تسقط إلى الأسفل بلا نهاية لترتطم بنصل خفي يصدر طنيناً يشبهُ نحيب الأمهات في ليلة طاعنة بالبرد، فلا فرق بينَ من يصعد ومن يهوي فالكل يعبر ذات الحافة الحادة والكل يتذوق طعم الصدأ الذي يغلي في اللعاب كأنه زئبق مُحتدم ينفجر في القرى الداخلية للرأس حيثُ تتداخل أطياف الطفولة ببيوت مِنْ ورق شمعي تحترق ببطء مع نصل يغوصُ حتىٰ العظم في صمتٍ مُطلق يطوي الأيام في ثنيات الجرح المفتوح علىٰ إتساع الأفق الأعمىٰ.
#إيالاڤيا #مجتمع
