الـنَّـــص صـنــاعـــة لـلـمـعـنـــى د- سعيد بنكرا
الـنَّـــص صـنــاعـــة لـلـمـعـنـــى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د- سعيد بنكراد
،ـــــــــــــــــــــــ
يُعدُّ النص في أبسط تعريفاته محاولةً لتسييج “كَمٍّ” معنوي يشكو من ضفاف، أو هو “فائض دلالي” يحتاج إلى وعي يستقبله ويمنحه شكلاً هو أساس وجوده، وداخله يمكن أن يتميز هذا المعنى عن ذاك.
يستوي في ذلك نصُّ الشعر ونصُّ الرواية ونصُّ المسرح والصورة ومجموع الوقائع القابلة للعزل.
إنَّه، في هذا وذاك، خروج عن “الممتد” في القول والسلوك والكتابة والاسترسال في كلّ شيء، ذلك أنَّ “المتَّصل” (continuum) سديم صامت، إنَّه عديم الشكل لا يمكن أن يكون مصدراً لمعنى خاص.
هناك، في جميع هذه الحالات، “ضابط دلالي” هو الضمانة على وجود واقعة قابلة للوصف المستقل، وهناك في الوقت ذاته شرط “مقامي”، هو ما يُوجّه الممكنات الداخليَّة للوقائع ويَحُدُّ من انتشارها الأهوج.
وقد تكون هذه الخاصيَّة هي التي دفعت بعض المنظّرين إلى القول إنَّ القابل للتحديد في النص هو ما يقوله هو في انفصال كلي عن كلّ المضمرات الثقافيَّة المرتبطة بما يمكن أن يُنتقى من الوحدات الدلاليَّة.
واستناداً إلى هذه المسلّمة رفض البنيويون الأوائل بشدَّة أن تكون للنصّ صلات بشيء آخر غير معطيات العالم الموصوف داخله، ما كانوا يسمُّونه “المحايثة” التي تقتضي فصل الوقائع الموصوفة عن محيطها وشدّها إلى “بؤرة” داخليَّة هي مصدر المعنى وغايتُه.
وتلك هي القناعة التي عبَّر عنها كريماص في القرن الماضي حين أكَّد “ألَّا خلاص لنا خارج النص”[1]، فليس هناك من قصد سوى ما يمكن أن تُسَلِّمه النصوص طوعاً أو قسراً. والقصد في العُرف البنيوي ليس سوى تسمية أخرى للسياق، عدا أنَّ السياق في البنيويَّة حصري ووثيق الصلة بغاية سابقة على التلقي، إنَّه في النصّ وليس خارجه.
وقد يكون لهذا الأصل امتداد أيضاً في تعريف يرى في النص ما “دلَّ ظاهر لفظه عليه من الأحكام” (لسان العرب)، أو كلّ ما يمكن أن يكون مستودعاً لمعنى واحد لا يحتمل التأويل.
وذاك هو ما يشير إليه الحكم الفقهي الذي يؤكّد “ألا اجتهادَ مع النصّ”. وهو أيضاً ما تتضمّنه كلُّ التعريفات الفرعيَّة التي تشير إلى أنَّ كلَّ ما هو مشتق من الجذر الثلاثي “نصص” إنَّما هو دالّ، بهذه الطريقة أو تلك، على ما ظهر وبدا وأشرف وأصبح مرتفِعاً بارزاً، ومنها “المنصَّة” و”نصّ الحديث” و”التنصيص على شيء”، “فالنصّ رفعُك الشيءَ”، ذلك أنَّ كلَّ ما نُصَّ فقد رُفِع”.
تماماً كما هو أصله اللّاتيني دالٌّ على فعل النسيج (texte – texture)، أي صناعة ما يمكن أن يكون قطعة واحدة مستقلّة بذاتها.
ففي جميع هذه الحالات هناك تأكيد على فصل شيء ما عن تربته الأصليَّة ووضعه في حالة يكون فيها منفرداً حاملاً لهويَّته في ذاته.
وذاك هو أصل فنون القول والبصر، إنَّها صناعة المعنى، أو هي أسْر وترويض لانفعالات هوجاء لا يمكن أن تصبح قابلة للوعي إلّا من خلال سياق لفظي أو بصري، يتميز داخله هذا الانفعال عن ذاك. فلن يكون الحكَّاء قصَّاصاً إلّا إذا كان ..............................................................................
............................................................
bilarabiya.net/12381.html
5