حالات الفسخ قانونا
حالات الفسخ مع عدم رد الزوجة المهر في القانون اليمني:
الدكتور المحامي عبدالله محمد علي دبوان
يلاحظ أن الزوجة وفقاً للمادة (54) إذا تقدمت بدعوى تطلب فيها فسخ عقد زوجها للكراهية، ولم تذكر أسباباً أخرى توجب الفسخ، فإن ذلك إقرار منها بعدم وجود نشوز من الزوج وعدم وجود سبب صدر منه يوجب الفسخ، ويعد إقرار ضمني منها بالتزامها برد المهر لزوجها المدعى عليه، لأنه إقرار بفرع الثبوت وفقاً لنص المادة (83) إثبات.
فالأصل العلم بالقانون، ولا يقبل الاحتجاج بالجهل بالقانون إلا في ظروف خاصة يصعب على المدعية الاحتجاج بها والاستفادة منها، لتخلصها من الإقرار بفرع الثبوت برد المهر وأن سبب الشقاق منها.
ولا ترد الزوجة المهر إذا تحقق الآتي: 1- إذا كان طلب الزوجة الفسخ للكراهية والضرر 2- وثبت الضرر الذي ادعته صدوره من الزوج. 3- وكان الضرر مما جعله القانون سبباً للفسخ، وهي أحد الأسباب الآتية:
1- الفسخ لإعسار الزوج في النفقة، أو لتمرده عن دفعها ولم تتمكن الزوجة من الوصول إلى ماله لأخذ نفقتها م (50، 51، 53)، وكذلك يحق لزوجة المتزوج أكثر من واحدة الفسخ لعدم القدرة على النفقة أو السكن، فإن كان له القدرة على نفقة وسكن البعض خيره القاضي في إمساك من يقدر وطلاق الباقي، فإن امتنع فسخ القاضي زواج من طلبت، م (53).
2- الفسخ للهجر والغيبة لسنتين ولو مع النفقة، أو سنة من دون نفقة، أو للحكم بحبسه ثلاث سنوات، ومضت منها سنة م (52).
3- الفسخ للإدمان على الخمر م (55).
وكذلك يجوز فسخ العقد بناء على طلب الزوجة أو بطلب الزوج:
4- الفسخ لوجود أحد العيوب من جنون أو برص أو عنة، أو لعدم القدرة على الوطء م (47).
5- الفسخ لعدم الكفاءة في الدين والخلق م (48)، بالفسق والفجور والمجاهرة فيها.
كما للزوجة طلب التطليق بالآتي:
6- التطليق بالظهار بأن يقول الرجل لزوجته أنت كظهر أمي ونحوه؛ ليمتنع من وطئها، وتجب به كفارة قبل الوطء، وإلا فللزوجة طلب التطليق بسببه، فينذره القاضي بالتكفير (بعتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) خلال أربعة أشهر؛ فإن امتنع لغير عذر حكم القاضي بالتطليق. م (90، 97، وما بعدها).
7- التطليق في الإيلاء، وهو حلف الزوج ألا يطأ الزوجة؛ فللزوجة بعد الأربعة الأشهر طلب التطليق لعدم الرجوع لوطء الزوجة في الإيلاء، م (100، وما بعده).
8- التفريق باللعان، وهي أيمان خمسة من الزوج وخمسة من الزوجة بنظر المحكمة عند رمي الزوج زوجته بالزنا أو نفي نسبة الولد، ويكون تفريقاً مؤبداً، م (108، وما بعدها).
فالفسخ هنا أو التطليق يحل به المهر المؤجل ويتأكد، فالمهر يجب بالعقد ويتأكد بالدخول (الوطء) ويحل أجله ويلزم بالفسخ؛ لأن المهر المؤجل برضى الزوجة يحل بحلول أحد الآجلين الموت أو الطلاق، ويلحق به الفسخ؛ لأن الفسخ إنهاء للعقد وإعادة الطرفين لما كانا عليه قبل العقد، وهذا لا يمكن بعد الدخول بالزوجة، فقد استوفى الزوج البضع، فليزمه عوضه المقابل له وهو المهر.
وقد قضى القضاء اليمني: بفسخ عقد نكاح المدعية من عصمة زوجها وعليها أن تعتد العدة الشرعية، وإلزام المدعى عليه بتسليم المهر أربعة جنيهات ذهبية للمدعية، ومخاسير التقاضي، لثبوت هجر الزوج لزوجته وعدم الإنفاق عليها وتركها في بيت أهلها لمدة سنتين وأربعة أشهر(١).
فإذا ذكرت المدعية سبباً مما يوجب الفسخ لها في القانون دون رد المهر- السابقة، وذكرت الكراهية كأثر لهذه الأسباب، فتقول: فصرت أكرهه بسبب ذلك كراهية يتعذر عليَّ عشرته وأداء حقوقه، فلا أطيق العيش معه بعد هذا، فإن ثبت سبب أو أكثر منها فإن القاضي لا يحكم عليها برد المهر، ولا بتعويض الزوج؛ بل قد يحكم على الزوج بالتعويض لها إن وجد موجبه، كاعتدائه عليها بالضرب المبرح، ونحوه.
والعمدة في ذلك بالبرهان الذي تقدمه المدعية على هذه الأسباب، فإذا أنكرها الزوج المدعى عليه؛ ألزمها القاضي بإثبات ما جاء في دعواها(٢)، فإن عجزت رفض القاضي الدعوى لذلك السبب الأخر(٣)، ونظر الفسخ بناءً على سبب الكراهية.
ولتتقي الله الزوجة في سبب ادعائها الفسخ، فلا تفتري على زوجها بما ليس فيه، فإن ذلك بهتان محرم، قال تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}(النساء:112)، وقال:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}(الأحزاب:58)، ولتقل كما قالت جميلة بنت سلول للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لا أعتب على ثابت بن قيس خُلُق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أُطيقه بغضاً(٤).
وإن كان السبب لطلب الفسخ حقاً بسبب صادر من الزوج بظلمها وعدم أداء حقوقها، فليتقي الله، ويقر به، ولا ينكر ليسترد المهر ونصف الشرط، فيجب عليه ديانة طلاقها ويؤدي ما بقي عليه من المهر، أو يستمهلها للميسرة، وعليها وعلى القضاء إنظاره أو كف مطالبته(٥). قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}(النساء:20).
وعلى القاضي أن يقرر سبب الفسخ بوضوح ويعتمد على ما ثبت في ملف القضية، ويسأل ثقة مجار عن المضر لصاحبه، ويأخذ بتقرير الحكمين إن اتفقا، ويسبب حكمه بإدانة أحدهما بسبب الفسخ، فإن كان سبب الفسخ صادراً عن الزوج بشرط أن يكون مما جعله القانون سبباً للفسخ، فيحكم بفسخ عقد الزواج ولا يحكم على الزوجة برد أي شيء للزوج، وإن كان من الزوجة لمجرد كراهيتها فقط، وتكرر طلبها وأصرت ولم يستطع لا هو ولا الحكمان الصلح حكم بفسخ نكاحها، والزمها برد المهر المقبوض واسقاط ما بقي منه، والزمها تعويض الزوج برد نصف الشرط (تكاليف العرس)، وليكن نصب عينه أمر الله تعالى في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}(النساء:105، 106، 107). وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»(٦).
الهامش:
١ -حكم المحكمة العليا اليمنية- الدائرة الشخصية، بتاريخ 29/7/2018م، في الطعن رقم (61554). التعليق 41.
٢- -تنص م (2) من قانون الإثبات: على الدائن إثبات الحق وعلى المدين إثبات التخلص منه، وتكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر. م (3): المدعي هو من معه أخفى الأمرين، وهو من يدعي خلاف الظاهر، والمدعى عليه هو من معه أظهر الأمرين.
٣ -تنص م (176) من قانون المرافعات: إذا اعترف المدعى عليه أو أنكر أو سكت وأثبت المدعي ما أنكره أو لم يثبته وطلب يمين المدعى عليه ونكل عنها قُضي للمدعي، وإن عجز المدعي عن إثبات دعواه أو اعُتبر عاجزاً أو لم يطلب يمين المدعى عليه أو طلبها وحلفها حكم برفض الدعوى.
٤ -صحيح البخاري، باب الخلع، برقم (5273)، 7/46.
٥- -تنص م (363) من القانون المدني: من كان ظاهر حاله الإعسار قبل قوله بيمينه، ويحلف كلما ادعى إيساره ومضت مدة يمكن فيها الإيسار عادة. المــادة (364): اذا التبس الأمر بين إيسار الشخص وإعساره تسمع البينة على إيساره او إعساره؛ ويرجح الحاكم، وتقدم البينة المثبتة على النافية. المــادة (365): إذا ثبت بحكم القضاء إعسار المدين حيل بينه وبين دائنه إلى أن يثبت إيساره.
٦ - صحيح البخاري برقم (4552)، 6/35، وصحيح مسلم، واللفظ له، برقم (1711)، 3/1336، والجمع بين الصحيحين للحميدي 2/18.
من كتاب:
فسخ عقد الزواج للكَرَاهِيَة (الضِّرَار، الشِّقَاق ، الخُلْع القضائي)
دراسة مقارنة في الشريعة الإسلامية والقوانين اليمني والمصري والمغربي والسعودي ، تأصيل شرعي وبيان الأساس القانوني والتعويض المدني.
الدكتور/ عبدالله محمد علي دبوان ، الدكتور / أنس محمد شرف اليوسفي
أستاذ مساعد بكلية الحقوق- جامعة تعز، أستاذ مساعد بكلية الحقوق- جامعة تعز
4