أَثْرِيَاءُ النُّفُوسِ لاَ يَعْرِفُونَ الحَذَرَا
وَلاَ يَحْسَبُونَ لِلْخَطْوِ يَوْمًا أَثَرَا
تَرَاهُمْ إِذَا جَادُوا، يَجُودُونَ فِي عَلَنٍ
كَأَنَّ العَطَاءَ لَدَيْهِمْ دَمٌ وَقَدْ نُثِرَا
يَمُدُّونَ كَفًّا لاَ تَرُدُّ سَائِلًا
وَلَوْ كَانَ ذَا الكَفِّ مِمَّنْ بَخِلَ وَمَا شَكَرَا
أَثْرِيَاءُ النُّفُوسِ، قُلُوبُهُمْ ذَهَبٌ
إِذَا مَسَّهَا البَرْدُ، زَادَتْ لَظًى وَسَعَرَا
إِذَا النَّاسُ خَافُوا أَنْ يَجُودُوا بِدِرْهَمٍ
تَرَاهُمْ بِأَرْوَاحٍ لَهُمْ يَبْذُلُونَ القَمَرَا
لاَ يَحْذَرُونَ النَّاسَ، مِنْ فَرْطِ صِدْقِهِمْ
وَلاَ يَعْرِفُونَ الزَّيْفَ، إِنْ قِيلَ أَوْ نُكِرَا
يَظُنُّونَ كُلَّ النَّاسِ مِثْلَ قُلُوبِهِمْ
بَيَاضًا، وَصَفْوًا، لاَ يُطِيقُونَ مُنْكَرَا
فَيَأْتِيهِمُ الغَدْرُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَ
وَيَأْتِيهِمُ الطَّعْنُ مِمَّنْ لَهُمْ نَصَرَا
وَمَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى
نَقَاءٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّمُوا أَنْ يُحَاذِرَا
أَثْرِيَاءُ النُّفُوسِ، إِذَا أَحَبُّوا، أَحَبُّوا
بِكُلِّ القُلُوبِ، لاَ يُبْقُونَ مُسْتَتَرَا
يُعْطُونَ حُبًّا، لاَ يُقَاسُ بِمِثْلِهِ
وَيَرْمُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الهَوَى خَطَرَا
لاَ يَسْأَلُونَ: هَلِ المُحِبُّ مُصَدِّقٌ؟
وَهَلْ فِي نَوَايَاهُ وَفَاءٌ قَدِ اسْتَقَرَّا؟
بَلْ يَدْخُلُونَ الحُبَّ، مِنْ غَيْرِ حَارِسٍ
وَيَتْرُكُونَ البَابَ لِلرِّيحِ مُنْفَطِرَا
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي، هَلْ سَيَبْقَى نَقَاؤُهُمْ؟
أَمِ الدَّهْرُ يُفْنِي كُلَّ صَفْوٍ تَطَهَّرَا
وَلَكِنَّهُمْ، رَغْمَ الجِرَاحِ، كَرِيمَةٌ
نُفُوسُهُمُ، تَأْبَى الخُنُوعَ تَكَبُّرَا
إِذَا جُرِّحُوا، عَادُوا يَجُودُونَ مَرَّةً
كَأَنَّ الجِرَاحَ لَدَيْهِمْ غَدَتْ مَطَرَا
فَلاَ تَلُومُوهُمْ إِذَا لَمْ يُحَاذِرُوا
فَمَنْ يَمْلِكُ البَحْرَ، لاَ يَخْشَى أَنْ يُبَعْثَرَا
أَثْرِيَاءُ النُّفُوسِ، هُمْ أَغْنِيَاءُ وَإِنْ
بَدَوْا فُقَرَاءَ، فَالغِنَى فِيهِمُ اسْتَتَرَا