
مقال دقيقتان للقراءة
مِــقّــصْ
"أشدُّ أنواعِ البترِ قسوةً ليسَ ما يسيلُ منه الدم؛ بل ذلك الذي يجُزُّ خيوطَ الروحِ والزمانِ في صمتٍ مُطلق؛ حيثُ يُمحىٰ الأثرُ، ولا يتبقىٰ للوجودِ عنوان."
شفرتان حادتان كالنصلِ تتحركان في العتمة الدامسة علىٰ إيقاع بطيء ومُرعب كأنهما فكين لحيوان خُرافي لا يشبع مِنْ تقطيع اللحم والروح معا تنساب إحداهما فوق الأخرىٰ بإنزلاق معدني أملس يلمس الهواء فيقطعه إلىٰ نصفين متساويين بينما تتدلىٰ مِنْ فوهتهما المفتوحة روائح الصدأ العتيق ودماء وهمية لَمْ تزل تسيل في بطن الذاكرة تنهشان كل ما يقع في طريقهما بلا إستئذان ولا شفقة تبدآن بقص ظلال الأشجار العالية حتىٰ تسقط غارقة في عتمة السكون ثم تمتدان لتقطعا خيوط الهواء الرقيقة التي تربط بينَ أنفاس الأحياء فتختنق الكلمات في الصدور قبل أن تبلغ الشفاه تتساقط الأوراق الممزقة والذكريات المقطوعة والكلمات المنثورة علىٰ الأرض كأشلاء دُمىٰ خشبية مُحطمة تمضي الشفرتان في طريقهما الأبدي بلا توقف تطالان كل ما مررن به الأمل القديم والبريق الخافت والظل الصامت تتشابك الحدتان في رقصة جنونية صامتة تفترس الحاضر والمستقبل في آن واحد وتترك خلفهما صحراء مِنْ الفراغ المطبق الذي لا يحمل إسماً ولا عنواناً ولا حتىٰ نقطة فواصل تستريح عندها الأنفاس سوىٰ صرير معدني يُعلنُ إستمرار المذبحة في ليل بلا أفق ولا نهاية؛ گصرير الصدىٰ ينبعثُ مِنْ عمقِ الهاويةِ حيثُ تشقُ الشفرتانِ ثوبَ العتمةِ غرزةً غرزةً تحولانِ الكائنَ إلىٰ أوهامٍ شاحبةٍ والزمانَ إلىٰ شرائطَ مُمزقةٍ تتطايرُ في الريحِ الميتةِ تدورانِ حولَ رقبةِ السرابِ وتلتهمانِ خيوطَ الضوءِ الأخيرةَ قبلَ أن تتمكنَ مِنْ ملامسةِ الأرضِ تفترسانِ النظرةَ الأولى والهمسةَ الأخيرةَ وتفصلانِ الروحَ عَنْ أثرِها دونَ نقطةِ دمٍ واحدةٍ تشهدُ علىٰ الجريمةِ الشفرتانِ المسمومتانِ بحدةِ الصمتِ يواصلانِ الهبوطَ في طبقاتِ الذاكرةِ يقطعانِ الأحلامَ قبلَ أن تشبَّ عن الطوقِ ويجزانِ أوردةَ النهارِ فينسكبُ الليلُ المائعُ على الأرجاءِ بلا حدودٍ تتساقطُ الأصواتُ كقطعِ الخشبِ اليابسِ في جحيمٍ باردٍ وتندثرُ الوجوهُ خلفَ مقصلةٍ مستمرةٍ تتغذىٰ علىٰ الأشكالِ والظلالِ والألوانِ لتسحقَ كلَّ ما تمتلكُهُ الكلماتُ مِنْ معنىٰ وتتركَ الوجودَ مُجردَّ خيطٍ مقطوعٍ يتدلىٰ فوقَ عدمٍ لا ينتهي_/ ... وتطبقان أخيراً علىٰ بقايا الهواء الأخير مُطبقين الفكين المعدنيين في صفعة صمتٍ حاسمة، لتنطوي كل العوالم والمجرات داخل جُرحٍ طولي واحد، خيطٍ مائل مِنْ العدم الصافي الذي لا يحده زمان ولا يسكنه مكان، حيثُ ينتهي القص وينتهي الوجود ولا يتبقىٰ سوىٰ الشفرتين المنغصتين في قلب الظلمة المطلقة ساكنتين كشاهد قبرٍ نُسيَ أسمهُ، مُستعدتين لإبتلاع أول لمحة ضوء قد تتجرأ علىٰ الولادة مِنْ جديد؛
#إيالاڤيا #مجتمع
