مشروع كتاب رأيكم يهمني
ديك العِدة
.
التفتَ إليّ فجأة وهو يبتسم:
سأضرب العجوز
ماذا؟ هل تمزح
لا، ولكن لا بد من ذلك.
ثم تحرك في اتجاه الرجل الذي بدا وكأنه سينفجر؛ فقد احمرّ واخضرّ، وأرعد ودوى، وقفز في الهواء لعشرين قدم ثم عاد، ولم تتحرك عظمة واحدة من جسده! وأكثر ما يثير الغرابة في هذا البلد أن العجائز نادراً ما يموتون أو تُكسر عظامهم.
قال لي: يجب أن يُصفع ولو لمرة واحدة في حياته، أن تصفع عجوزاً في مثل هذا الوقت من اليوم فألٌ جيد!
كانت الشمس تلملم نساءها العائدات من النميمة، وعلى رؤوسهن ظلال غربان عائدة إلى أعشاشها. بينما يقف العجوز ماداًّ لعقيرته وهو يجادل مجموعة من الشباب، يتوعدهم بالموت تارة وبالسجن أخرى، بينما هم في صمت وذهول.
كنا نراقب الحدث من بعيد؛ كنتُ أنا مندمجاً وبتركيز كامل مع العجوز، بينما صديقي يركز بصره في نقطة بعيدة في أفق الله الواسع، ودون أي إنذار.. قرر ضرب العجوز، وفي هذا الوقت تحديداً!
حاولتُ أن أمنعه، ولكن شيئاً ما في داخلي أراد ضربه أيضاً منذ زمن بعيد.
حين كنا أطفالاً لم يكن العجوز أصلع تماماً؛ مؤخراً أصابه مرض جلدي، أو ربما دعوة شخص تمنى صفعه فأسقطت آخر ثلاث شعرات في مقدمة رأسه، وقد سمّيناه "ديك العدة" لذلك السبب، حتى نميزه عن باقي العجائز.
حكت لي جدتي ذات مرة -وقد كانت من العجائز الصالحين، ولذلك لم يتردد الموت ولو للحظة في اصطحابها إلى العالم الآخر
قديماً كان للعجائز شيءٌ يسمى الوقار، وكانت عظامهم هشة، وأحياناً يتكئون على عكاز، يشربون الحلبة ويصنعون مراهم من الأعشاب والطين، ويُسمع أنينهم وسعالهم في المساء.. وكان لكل عجوز حفيدٌ يحبه ومذياع."
لكن بعد سنة من المجاعة التي تلت الحرب، حيث مات الشبان، وترملت النساء، ويُتّم الأطفال، ظل العجائز على حالهم. ومرت السنوات.. سنوات كثيرة جداً يا ولدي، فلم يتحملوا عبء حياتهم الطويلة وحزنهم العميق على أبنائهم، ثم أحفادهم بعد ذلك وأحفاد أحفادهم، فقدوا صوابهم وأصبحت تفوح منهم رائحة المقابر.
لا أتذكر أن أحداً من العجائز تحدث عن تلك الحرب أو المجاعة؛ وكأن جدتي هي الوحيدة التي تتذكر، أو ربما كما يقول جدي إنها كانت تفقد عقلها وتختلق القصص.
وها نحن كلما اقتربنا من "ديك العدة" فاحت منه رائحة نتنة.. لا بد وأنها رائحة المقابر!
التفتَ إليّ صديقي، وبنظرة منه فهمت قصده: "فلنضرب ديك العدة!
وقف صديقي في المنتصف، نظر إلى ديك العدة بقرف، ثم رفع يده وكأنه يلتقط شيئاً ما من السماء، وصفع الرجل حتى سال الدم من أنفه! كانت المرة الأولى التي أرى فيها شخصاً ما يضرب الرجل. رفعتُ يدي ثم لكمته من الجهة الأخرى، سقط الرجل أرضاً ثم بدأ الجميع في لكمه حتى غطان الغبار و كلا منا يلكم و يركل في الفراغ.
ثم صاح صديقي: كفى دعوه يذهب.
ولكن لم يكن هناك سوى الغبار.. تبخر الرجل! لا شيء سوى رائحته النتنة.
دُهش الجميع: أين ذهب؟ فقط اختفى "ديك العدة"!
هرب الجميع في اتجاهات مختلفة، وبقيتُ وصديقي نتحسس أيدينا. وفي كل يوم، ننتظر الوقت المناسب لنضرب "ديك العدة" فيختفي ويتبخر.
مرت سنوات كثيرة....... مات صديقي، وأصبح "ديك العدة" من أقرب أصدقائي! وصرنا نتحسس الطرقات بحثاً عن العجائز..
فقد كانت جدتي على حق؛ نعم، حدثت مجاعة بعد حرب طويلة ومات فيها جميع الشباب، ولم يتبقَّ سواي.. و ديك العدة
وأحدهم يتمنى صفعنا في الوقت المناسب من اليوم و سيكون ذلك فأل جيد

14