المتعبون
من المجاز
من النهايات الطويلة والمملّة
أبناء أحزان الحمامة
شاربون الوهم من كأس الرؤى
هؤلاء الطيبون
تخونهم لغة الحياة فيهربون لموتهم بصدى الكناية
تخونهم حتى الحبيبات الخيال
وأنتِ يا ليلى تخافين الجمال
رهافة الروح البريئة
رقة الخفقات
يا ليلى، يخاف المتعبون من الكمان
هم الشعراء، ملح الأرض
تشرب أمسهم، تمتصهم معنى
لتعلن عن وجود
هم الشعراء يا ليلى لأجلك
أنتِ يا ليلى
وأنتِ تخزّنين بريقهم وتخبّئين العيد عنهم
ولأنهم وُلدوا بلا مأوى
هم المأوى
هم الشعراء، سيدتي، وهذا ذنبهم
أنا رجل لا يحب المسابقات، لكن هذه القصة للأستاذة مُنى الهزاع لفتت انتباهي؛ بها شيءٌ من سحر إيزابييل الليندي. وما شدني لأواصل القراءة جملة قد تبدو بسيطة، ولكنها تدل على موهبة قصصية: (نسيت أن أخبركم).
حين يعيش الكاتب قصته وهو متشوق ليعرف ماذا سيحدث، مثله مثل القارئ! فالكاتب يعيش مع شخوصه؛ يحبهم، يكرههم، يصالح بينهم، أو يكتفي بالمشاهدة.
ما أردت قوله: هذه القصة أعجبتني، وأدعوكم أن تصوتوا لها."
شعرة تدلت على خدها، كانت كفيلة لدفعي.
أغمضت عيني، ثم نهضت واتجهت إليها. وكلما اقتربت منها، تثاقلت قدماي، حتى وقفت أمامها.
في البداية، كانت ملامحها هادئة جدًا. مددت يدي لأصافحها، فكأن يدي عبثت باللحظة، عكرت مزاج الزمن.
فزعت الفتاة. نهضت بسرعة، وأرجعت كرسيها إلى الخلف، ثم استدارت وغادرت.
ضحك عاشقان على البحر عليّ.
ضحك عادل.
أصبت بالدوار للحظة وفجأة، اختفى كل شيء، وسرت في ظلام دامس، عائدا من حيث أتيت.
ومنذ تلك اللحظة، ولسنوات كثيرة، عشت متفرجًا على الحياة.
أحببت كثيرًا. كل مكان زرته، تركت فيه جزءًا من قلبي. أبتسم، وأرد ابتسامة، وأحيانًا ألوّح بيدي،
حتى ظهرت نورة من حيث لا أدري.
أحببتها. فتاة ذات ملامح طفولية، ترتدي نظارة طبية، وتغني بصوت ملائكي. كانت تغني، وأحيانًا نتبادل قصائد نزار قباني.
وحينًا ترسل لي صورها، صورًا أحبها. وفي إحدى المرات، أرسلت لي صورة قديمة لها، وهي ترتدي بيجامة تكشف عما تحتها، ثم حذفتها بسرعة. تظاهرت بأنني لم أرها.
ومن يومها، وهي تحدثني عن ابن عمها، وأخيرًا، وكغيرها، غادرتني.
حزمت أمري: لا فاطمات بعد اليوم.
ولكنني رجل جريح، أدميت قدماه من طول التوهان.
لم يمر وقت طويل حتى جاءت مديحة.
لم أحب مديحة، بل عشقتها.
لم تكن كغيرها. كانت طفلة نشيطة، كثيرة الحركة، وهذه المرة هي من أوقعتني.
لأول مرة، رأيت مديحة بالجامعة.
كنت قد قررت بناء حياتي. عدت للدراسة. رأتني جالسًا، في ركن لا تصله الصداقة أو الحب، وأيضًا لأخفي فتقًا في حذائي.
فقد سقطت يومها في أحد أزقة الجامعة. سقطت دون سبب، والحمد لله، لم يرني أحد، أو هكذا كنت أظن.
نهضت، ونفضت ثيابي، ثم جلست قريبًا من مكان سقوطي. حتى إنني قررت في تلك اللحظة ترك الجامعة، ولذلك لم أدخل قاعة المحاضرات.
ألقت عليّ التحية، ثم اطمأنت عليّ.
كنت أكبرها، ربما بسنوات، لكنها أقدم مني هنا.
تجاذبنا أطراف الحديث. كانت جميلة إلى درجة تجعلك تتأكد أنها ليست لك.
وبمرور الوقت، أصبحنا أصدقاء.
كنت أحضر حتى أراها.
نلتقي في المكان نفسه كل يوم، دون موعد مسبق.
وبعد شهر أو أقل، لست متأكدًا، التقيت عصام.
فتى في الثالثة و العشرين من عمره، على ما أظن، تفوح منه روائح طيبة.
وكأن الله سخّره لنا، فلم نعد نحتاج إلى قطع مسافات طويلة، والدخول في زحمة السوق، ومعاناة انعدام المواصلات.
وكلما فكرت في الذهاب إلى مكان ما، كان عصام وسيارته أول ما يخطر ببالي.
كان فتى شهمًا، لكنه مثلي لا يجيد الصيد.
ربما كان لي فاطمة، لكنه لم يحظَ حتى بفاطمة.
وبمرور الوقت، زاد عدد الأصدقاء.
أنا وعصام ومديحة، كنا أصدقاء قريبين جدًا، رغم أن لكل من مديحة وعصام شلته، ولي أيضًا شلتي، لكننا كنا نلتقي كشلة منفصلة.
حتى ألمح لي عصام أنه يحبها، وكأنه لم يرَ خصلة شعرها على كتفي، وعطرها بيدي، وابتسامتها التي تضمد قلبي.
في داخلي قلت: لا بأس، سأساعده. وعلى كل حال، القرار لها.
أيضًا أنا لم أغسل غبار الطريق عن قدمي.
فكلما احتاجتني لشيء، وجدت ابتسامة على وجه عصام. فاقترحت عليها أن يفعل عصام ما تريد، بما أنه أصغر مني سنًا.
و استمر الأمر على هذا النحو
حتى وجدتهما، ولأول مرة، يجلسان في كافتيريا الجامعة.
كانت كافتيريا الجامعة من المحرمات عندنا. لا ندخلها ثلاثتنا.
عادةً ما كان عصام يجلب ثلاثة ساندويتشات وعصيرًا لمديحة، فهي لا تأكل، حسب ما تقول، خارج البيت.
واليوم، تأكل وتشرب، وتحمل هاتفه أيضًا، وتلكزه بكتفها من حين لآخر.
أشار لي عصام من خلف الزجاج. تظاهرت بعدم رؤيته.
وسرت ببطء مبتعدًا، لكنه لحق بي.
ابتسمت له.
سألني:
«لماذا لم تدخل؟»
ابتسمت، وقد احتجت إلى جهد عظيم، وكأن شفتيّ أصبحتا ثقيلتين جدًا، حتى كادتا تسقطان.
أجبته:
«خذ راحتك. الكرة في ملعبك الآن. وإن سألتك عني، أخبرها أنني ذهبت لأفعل أي شيء، وسأعود».
ابتسم لي، وأخبرني أنها باحت له.
استغربت الأمر. متى وكيف؟
علمت منه أنه، ولأسبوع، كان يوصلها من المحطة إلى الجامعة، واليوم أخيرًا، بينما كان يتلعثم في إخبارها بحبه، باحت هي له.
لا أدري لماذا لم أستطع نسيان مديحة بسهولة.
ولكنهما جميلان، ويشبهان بعضهما.
لم يمر وقت طويل حتى تركت الجامعة، وحملت حقيبتي إلى المطار.
وبعد وقت قصير، علمت أن عصام أيضًا قد سافر إلى بلاد العم سام.
أخبرتني صديقة مشتركة بيننا بذلك، فأنا لم أتواصل معه أو مع مديحة، وبالأحرى، لم أتواصل مع مديحة خارج الجامعة أبدًا.
أخبرتني تلك الصديقة بخطبتهما.
فرحت، لكنني لم أهنئهما. ليس لأنهما لم يخبراني، ولماذا يخبرانني أصلًا؟
ويوم غادرت البلاد، كنت مؤمنًا بشدة أن هذه البلاد تكرهني، فكرهتها.
وهكذا، لم أعد أسأل عن أحد إلا نادرًا.
ربما عادل، والذي أخبرني أنه تقدم لخطبة فتاة جميلة من الريف البعيد.
وأحيانًا تضايقني تلك الصديقة المشتركة، بأخبار عصام ومديحة، أو بسؤال حول الكتب.
فقد استعارت مني كتابًا ذات مرة، فاضطررت لمطاردتها أسابيع لأستعيده. ومن يومها لم أعرها كتابًا قط.
فكانت تسألني أن أقترح لها عناوين تشتريها أو تحملها بصيغة PDF، وهكذا.
ومن يومها، تراسلني من حين لآخر.
كانت لا تمل من تجاهلي لرسائلها.
أحيانًا يمر شهر دون رد، لكنها ترسل وتستمر في الإرسال.
أما أنا، وبعد سنة من إقامتي، اكتشفت أن هذه البلاد أيضًا لا تحبني.
@المتابعون
أشعلت شمعةً في منتصف صحن الحناء الذي يفصل بيننا، ثم راحت تضع قطراتٍ من زيتٍ قديم نتن الرائحة، وهي تحدّق بي بعينين غائرتين .
و الشمعة تضفي على وجهها ضوءًا أصفر باهتًا، يجعلها أشبه ما تكون بزهرة تبّاع الشمس.
فمنذ أن أغلقت بابها في وجه الزوّار، في ذاك المساء، وهي تسبّهم وتلعنهم واحدًا تلو الآخر.
حتى نسيت كقطعة خردة
فاطمة حبيبتي...
الفتاة التي تخطّت الخمسين من عمرها اليوم، وحيدةً كعنزة سوداء مربوطة بوتد في منتصف دارها.
كل مساء، وبمجرد أن تدق الساعة العاشرة، تبعثر شعرها الأبيض، وتُخرج سريرها الخشبي، الذي يشبه سرير الأطفال، بالكاد يتّسع لها وحدها. تجلس على حافته، وتضع أمامها منضدة خشبية، ثم تثبّتها بحجر أو قطعة كرتون. وبعد ذلك، تضع كرسيًّا وحيدًا، مهترئ الحبال وعليه قطعة خشب بمثابة مسند للجلوس.
بدت كل مساء وكأنها تنتظر شخصًا لن يأتي إلا في هذا التوقيت بالذات.
لم يكن أحد من سكان الحي يعرف فاطمة. فقد جاءت إلى الحي في إحدى سنوات الجفاف، هي وأبناؤها الثلاثة وزوجها.
وطوال السنوات العشر التي سبقت شتاء المجانين، لم تزر جارةً، أو تواسِ أرملةً، أو تهنّئ عروسًا.
بدت كشخص غامض، لا يحدث أحدًا، ولا أحد يحدثه. فقد حاولت بعض الجارات التحدث إليها، لكنها كانت جافة وغليظة معهن. عدن من عندها محمرّات الوجوه، معقودات الألسن.
من حين لآخر، قد تزورها والدتها، أو صديقة قديمة، وأحيانًا إخوتها.
أما زوجها، فقد كرهته إلى الحد الذي جعلها تشقّ رأسه.
**
حين تزوجها، أخبرته والدتها أن جميع البيوت تبدأ هكذا، وأن فاطمة ما تزال طفلة غريرة، لم تختبرها الحياة بعد، بمرور الوقت ستنبت بينهما براعم المودة والحب، وتصبح أشجارًا عظيمة.
أما هو فقد أعمى الحب قلبه، وسلب لبّه، فهام بها.
لكنها كرهته منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها. ولطالما مسحت بوجهه الجدران المتهالكة، وأسمعته ما لا يحتمله أي رجل متزن. وأخيرًا، حين يئست منه، ألقت بما فاض به قلبها على لسانها:
إنها تحب شخصًا آخر من سنّها، ملأ عليها قلبها و عقلها فأصبح عالمها و دنياها
و برغم كل ما فاضت به روحها
لم يتنازل عنها، بل زاده الأمر إصرارًا. لن يسمح بهذا.
سيحرق الدنيا على أن يتركها لشاب طائش يلهو بها.
كيف يفعل ذلك؟ لن يدعها تحطم حياتها بسمّ الحب، وتدمّر مستقبلها المشرق معه. فهو الحكيم الذي تعلّم من غربته الطويلة، التي امتدت لعشرين عاما
حين تركها طفلةً في خدر أمها، وهو يتجرّع الوحشة والغربة طوال تلك السنوات. لم تختبر سفينته رمل الشاطئ، و ها هو أبن الخمسين حزنا وحين وجد الميناء أخيرًا، ووضع قدمه على الرصيف، يأتي طفل في العشرين ليردّه عن بلاده!
وأخيرًا، قرر إخبار والدتها بكل ما قالته، علّها توبّخها وتمسح عنها غشاوتها.
لم يعرف أن والدتها، الحجة آمنة، تعرف كل ذلك؛ فهي لم تخفِ عنها شيئًا أبدًا.
كان الظلام دامسًا في غرفة فاطمة، لا يبدّده سوى شمعة وحيدة بالقرب من مرقدها. وعلى الرغم من حر الصيف الخانق، فإنها، منذ أن ظهر مأمون في حياتها، كرهت الضوء والجلوس في أي مكان مفتوح. فقد يحضر في أي لحظة، ومن أي اتجاه.
...
في تلك الليلة، دار شجار عنيف، حتى إنها، ولأول مرة، صرخت في وجه والدتها بهذه الطريقة غير المهذبة، الخالية من الأدب، وأخبرتها صراحةً أن والدها أحبها أكثر منها، لو انه لم يرحل ليتركها و حيدة في هذه الدنيا ، لما حدث لها كل هذا.
وأخيرًا، هدّأتها دموع أمها.
للمرة الأولى منذ وفاة أبيها، بكت أمها كما لم تبكِ من قبل .
حاولت أن تعتذر لوالدتها لكنها كانت عاجزة عن النطق تمامًا. اقتربت منها، وأرادت أن تضع يدها على كتفها، لكن أمها دفعتها بعنف، ثم صاحت بها:
«إذا لم تتزوجي مأمون، فمن اليوم لستِ ابنتي. وسألقى الله غاضبةً كما أنا الآن!»
خرجت الحجة آمنة مسرعةً عبر الصالة إلى المطبخ، ثم أغلقت الباب خلفها بعنف...
.....
ارتدت فاطمة بنطالها الأزرق الذي أحبّه، وبيجامةً زرقاء، وحمالة صدر وردية، وفوقها عباءة سوداء لا أحبها.
اتصلت بي. كانت تبكي كما اعتادت، وكعادتي، لم أسألها عن السبب؛ سألتها فقط: أين ومتى نلتقي؟
اقترحتُ منزل صديق كنت أقيم فيه، أو بالأصح، كنت أقوم بنوع من حراسته حتى يعود.
أنا أعرف صديقي هذا جيدًا، وأعرف أنه لا يجيد شيئًا في الدنيا غير النساء. ولولا حدث جلل، لما ترك داره أبدًا.
ربما لم تكن داره تمامًا، ولكن بما أن الأسرة ليست من المدينة، فهي كثيرة السفر إلى الريف. وفي الريف يموت الناس، أو يتزوجون، أو يلدون؛ وهكذا أصبح الدار داره.
إلى درجة أنه ينثر متعلقات نسائه في كل مكان. وكلما تجادلنا في هذا الأمر، كان يكسبني. صدّقتُ أنه يحبهن جميعًا. في الحقيقة، لا أعرف عدد نسائه بالضبط، ولكن لدي معرفة شخصية بخمس منهن.
...
أخبرتها بسفر صديقي، وأن البيت يقينا أعين الناس، ومضايقات الأطفال، ولعنات العجائز.
غضبت، وانفجرت في وجهي، وشتمتني. وسمعت صوت خطواتها وهي تكنس الأرض.
خرجت كالمجنون، أجوب الشوارع بحثًا عنها. هل خرجت من بيتهم أصلًا؟
وبعد أكثر من عشر مكالمات، عبر إليّ دمعها من الهاتف:
«أين أنت؟»
كلمة واحدة تكفي لأحدد مكانها...
شجرتنا.
كانت عند تلك الشجرة التي اعتدنا الجلوس عندها؛ تلك الشجرة اليتيمة، مثلها تمامًا. نمت في ذلك المكان تحديدًا، ولم يهتم أحد لأمرها، فيما كانت تشرب من مياه السيول وتقف صامدة في موسم الجفاف. لم تسقط منها ورقة من قبل، ولم تزهر أو تثمر حتى نعرف أي شجرة هي؛ ولذلك اكتفينا بمناداتها: شجرتنا.
كانت تقف داخلها، وبدا وكأن الشجرة تواسيها، وقد لفّت أغصانها عليها.
سألتها مباشرة:
«لماذا الطريق، وقد أتيحت لنا فرصة أن نلتقي؟»
كان يملؤني الإصرار.
فقديمًا، وقبل أن ينتبه صاحب البقالة إلى الشخص الغريب الذي يتردد كثيرًا على بيت في زقاق ضيق، ثم يخرج كَلصٍّ مصاب بقلبه وندبة في الروح، أظنه بدأ يراقبني. وبطريقة خبيثة، استطاع أن ينقل ما شاهده إلى والدتها، التي اكتفت بتهديدها.
وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتها ترغب في تزويجها بسرعة.
...
قبلها، كنا نلتقي في بيتهم، ونجهز فطورنا معًا. أحتضنها طوال النهار. لم نكن نتحدث كثيرًا، ونظل ملتصقين ببعضنا كحيوانات أليفة تستشعر خطرًا قادمًا.
وهكذا حفظت كل تفصيلة منها: رائحة زيت الكركار بالنارجين، وعطر الفل، وبشرتها الناعمة.
وحين نهمّ بالخروج، أساعدها في ربط حمالة صدرها.
كنا طيبين جدًا. لم أفكر يومًا في أن نكتفي من الحياة بحضن وقبلة. كانت حبيبتي وابنة قلبي، ولم تكن يومًا غير ذلك.
حاولت كثيرًا إقناعها، لكنها رفضت، وبطريقة فظة. نعم، لم تكن إجابتها هي السبب، ولكن طريقتها أغضبتني؛ أغضبت رجلًا قضى الأيام الثلاثة الماضية في ترتيب البيت.
كان البيت يضج بالبخور، وبدا كحقل أزهار اتسع على مدى خيالي، ورأيتها تأتي.
رأيتنا ندخل من بابه الرحب.
أيضًا، اشتريت عقدًا بكل ما أملك من فقر وحب؛ عقدًا رخيصًا، لكنها ستحبه.
ولم أكتفِ بذلك، بل اشتريت علبة هدايا من بائع متجول. نعم، لقد عشت لحظات لم أعشها طوال حياتي.
قبّلتها، واحتضنتها، ومشّطت شعرها، وداعبتها، ثم جلسنا نخطط لمستقبل خالٍ من «أبناء الحرام».
فهي الوحيدة التي آمنت بي وبنظريتي حول المجتمع وسبب فقره وحربه وكرهه.
وكانت تسبقني، كلما تحدثنا عن أي مصيبة، في إرجاع سببها إلى «أبناء الحرام».
...
استشطت غضبًا حين مرّت من جانبي. شعرت أنني قد ابتلعت حجرًا، وتصلّبت معدتي.
لم أستبن ملامحها، وكأن الصمت ابتلعها كاملة. سرت بالقرب منها، ولم نتحدث طوال الطريق.
وعند الزقاق، وقفت وحيدًا كفنارة عافتها السفن، أنظر إليها حتى توارت في الظلام.
ثم تبعتها، وكان آخر شيء سمعته صوت الباب وهو يُغلق.
مرّت أيام كثيرة لم أسمع عنها أو أرها.
كنت غاضبًا، مجروح الخيال، تعيسًا كقط مكسور الساق، حين عاد صديقي.
وعادت نساؤه.
وابتلعت الفوضى كل شيء، حتى إنه أهدى العقد لإحداهن.
واستطعت أخيرًا الخروج من ذلك الوهم العميق.
وبمرور الوقت، نسيت كل شيء.
عاد قلبي يبحث عنها كما اعتاد دائمًا. بحثت عنها حين كنا أطفالًا كبارًا في المدرسة، ثم حين أصبحنا حمقى كبارًا في الجامعة. ولأن الجامعة، ولفترة طويلة، كانت تنجب أبناء الحرام، فلم يختلف الأمر الآن.
رنّ هاتفي.
أضاءت الشاشة، وأضاءت روحي. استجمعتُني لنفخة روح ثانية.
ثم جاء صوتها كربيع منتظر.
وكعادتها، كانت تبكي. أنا أيضًا بكيت كثيرًا؛ بكيت كطفل أضاع أمه في ساحة المولد.
«متى وأين؟»
«شجرتنا».
هذه المرة لم تكن كسابقتها. تحدثنا كثيرًا، وضحكنا كثيرًا.
لكنها بدت متعبة جدًا. لم أهتم لذلك، ولم أتوقف عن الكلام وإلقاء النكات، أما هي فظلت تحتضنني طوال اللقاء، وكانت تضحك بتعب واضح.
وحين تحركنا مبتعدين عن شجرتنا، تعلّق غصن منها بياقة القميص. انسحبت بقوة، فتمزّق القميص. كنت أحب قميصي ذاك.
ولأول مرة، منذ أكثر من سبع سنوات، انتبهت إلى أن لشجرتنا شوكًا؛ ليس شوكًا عاديًا، بل شوكًا أشبه ما يكون بالسنانير الصغيرة.
ضحكت فاطمة.
ضحكت حتى بكت. نعم، كانت تبكي وتضحك في الوقت ذاته.
سألتها:
«هل كان لها شوك؟»
لكنها لم تجب.
ثم سرنا، أنا بقميص ممزق، وهي بعباءة مليئة بالغبار.
كنا نضحك كلما نظر أحدنا إلى الآخر.
وأخيرًا، وجدنا أنفسنا عند باب بيتهم.
خلعت قميصي. كان الزقاق مظلمًا بشكل مريب. نفضت الغبار عن عباءتها بقميصي.
ثم جلست لألمّع حذاءها، حين شعرت بها تهتز.
وقفت، واحتضنتها حتى هدأت.
ثم انفجرت في وجهي غاضبة. بدت وكأنها تصرخ، ولكن بصوت مكتوم. أخبرتني أنها قضت اليوم كله تذرع الطرقات دون هدى.
خمس عشرة ساعة قضتها تركب حينًا، وتسير حينًا آخر.
أخبرتني عن مأمون وعن والدتها. بكت بكل شيء.
احتضنتني بقوة، ثم فجأة أفلتتني، ودفعتني حتى كدت أسقط.
وقالت لي بحزم:
«لنهرب».
ذهلت.
«كيف؟»
ردّت عليّ بحزم أكبر:
«الآن نهرب».
هدّأتها، وأخبرتها أن كل شيء سيسير على ما يرام.
لا أدري متى وصلت إلى الباب.
ثم، وبصوت مسموع، رجّ الظلام.
رمت جملتها بقلبي:
«أنت ابن حرام، وستنجب أبناء حرام، وأنا بنت حرام، وسأنجب أبناء حرام».
من كتابي (ديك العِدة)
.. البقية تاتي
@المتابعون
«قتلته يا موسى.»
«نعم، قتلته. لن نستمع إلى صياحه بعد اليوم. خلّصتكم من الكذب والنفاق والتملق. الآن ليس هنالك شاعر نحرير... أوه، ماذا تعني نحرير؟ لا يهم.
ما يهم الآن هو التخلص من الحبر.
فعندما طعنته طعنات كثيرة، وأنا أنتظر أن يسيل الدم من جسده النحيل، لم يخرج سوى الحبر. حبر أسود.
طعنته يا موسى، حتى إنني سمعت آخر قصائده: تصيح.
قد مات الكلب!
والآن يستطيع الحي أن يعود كما كان، بلا شاعر نحرير يجعل الأشجار تتكلم، والعصافير تتكلم، والجدران تتكلم. أخرسته!
موسى، هل تفهم ماذا يعني هذا؟
تلفّت موسى بحذر شديد
هل شاهدك أحد وأنت تفعل ذلك؟
«نعم يا موسى، فقد طعنته وهو يلقي قصيدته الشهيرة، في منتصف ساحة الكرنفال. كنت جالسًا في الصف الامامي، حين بدأ مقدم الكرنفال يقتبس أبياتًا من قصائده.
«قصائد؟! يا ربي، أَرَحتَ الكلمات من ذلك الوغد!»
«انتظرت حتى صرخ المقدم باسمه. تركته يصعد إلى المسرح الخشبي المتهالك، ثم ألقى التحية بعبارات نحريرة، وشكر القائمين على الكرنفال.
كان التصفيق متواصلًا، حتى بدأ بإلقاء قصيدته الشهيرة.
انتظرته حتى منتصف القصيدة. كانت الجماهير ترمي عليه عبارات الدهشة والاستحسان.
تصفق ، تصفق،تصفق
تخيّل ألّا أحد منهم يفهم شيئًا مما يقول، لكنهم سعداء؛ أخيرًا أصبح للحي شاعر نحرير.
انتظرته حتى انتفخ وأصبح بحجم الثور. تخيّل يا موسى ذلك الشبح النحيف وهو ينتفخ!
وحينها صعدت إلى المسرح، و اشتعل التصفيق اكثر فاكثر.
ربما يظنون أنني شاعر نحرير؟
طعنته يا موسى.
سال الحبر، ثم طعنته مرة أخرى، والجماهير تصفق. طعنته طعنات كثيرة.
لم يتألم يا موسى.
نعم، عرفت ذلك. كان يبتسم للتصفيق وعبارات التملق والنفاق.
وأخيرًا، ابتلعته أرضية المسرح الخشبية المتهالكة. لم يتبقَّ منه غير حبر أسود يتسرّب عبر الشقوق في الأرضية .
استدرت إلى الجماهير... لا أحد.
كل شيء اختفى تمامًا.
عاد الحي أخيرًا كما كان.
يا موسى، اذهب إلى فرعون!
اذهب يا موسى، ولا تصعد إلى المسرح مرة أخرى، وإلا جعلت الحبر يتسرّب منك.
الرسالة (1)
ماذا تريد بالضبط؟ لنكن أكثر وضوحًا، وإلا فلا جدوى من هذا الحوار. أنت من طلب مني الرأي، وأنت تعرف تمامًا أنه أمر شخصي، حتى وإن كان له تأثير مباشر على حياتنا، وتعرف أنني ما عدت أهتم.
لا شيء يحدث؛ هناك من الظلام ما يكفي لابتلاع الشمس، لذا لا أريد أن أضيء أي شمعة، سأحاول الفرار بشمعتي. إنها حياتي التي لا أود أن تضيع مني، هنا عليَّ الاستمتاع، وها أنت تطلب مني الرأي ثم تراوغ. الآن لنتكلم بوضوح، وإلا فلتذهب أنت وحياتك للجحيم.
أنت تريدها بشدة، نعم لديها جسد رائع، ستكون مطيعة لك فهي متدينة، ستوفر عليك الكثير من المال والوقت؛ هذه ميزة القرابة. أخبرتني ذات يوم أن أسوأ شيء في مجتمعاتنا هو «الاستنساخ» الذي يقف عقبة أمام تقدمنا. ناقشنا الكثير من القضايا، وظل الزواج هو الثابت الوحيد في معادلة الجهل والتخلف. أنت تدّعي... دائمًا ما كنت كذلك. هل تفكر الآن في مصارحتها بمشاعرك؟ هل تريد رأيها أم سوف تأتي البيوت من أبوابها؟
أريد أن أضحك الآن، نحن الرجال لا نختلف عنهم كثيرًا. عرفت مسبقًا أنها سوف توافق، ستكون سعيدة جدًا بالزواج من شخص مثلك؛ مال وعلم، ككل الجميلات اللواتي نصبن لك الفخاخ ليقعن فيها. تأكد لديك أنها تشبه والدتك، وهمُّها الوحيد تزويج أخواتك اللواتي يرين الهدف الوحيد من وجودهن هو الإنجاب.
لأكن واضحًا أكثر؛ إنها الغريزة (الجنس). كل تلك السنوات من الكبت ضخّمت لديك الرغبة الملحّة في الزواج، ابتلعتك تمامًا. لكم تمنيت أن تجد تلك التي تشبهك، نحن بحاجة ملحّة لآباء مثلك يدركون جيدًا ما معنى أن يكونوا بذورًا لأجيال جديدة تحمل الاختلاف والوعي، تستطيع تحطيم هذه الطابعة اللعينة.
سأخبرك ماذا سيحدث: ستتزوج لإسكات هذه الغريزة اللعينة وترتاح نفسيًا من هذا الصراع. فتلك «البقرة» هناك — فلتعذرني على الوصف — سوف تشبع غريزتك معها في المساء وتُعلفها في الصباح، ثم تتخذ ركنًا مع ذاتك لتمارس فيه اختلافك. ثم ستنجب أطفالًا، ها قد ازداد عدد البقر ونمت لديك غريزة الأبوة. الآن أنت في صراع: إما أن تُدخل البقر ركنك الخاص لتوقف الماكينة، أو تنعزل لتمارس الماكينة عملها. لا أظنك تستطيع الوقوف أمام البقرة، أنت «نصف ثور» في نظري، بينما ستراك هي دائمًا الثور المناسب طالما حافظت على الطابعة لتنتج نسخًا عن والديكم.
لتكن واضحًا في ردك.
---
رد الرسالة (1)
حسنًا، سأكون واضحًا في ردي هذه المرة، لذا أريد منك تحطيم تلك الصورة لـ«الرجل الإله» الذي تتصور أن يصله هذا الإنسان المعذب بالمعنى. لست كما تظن، أو ربما كما ظننت أنا. قد لا أستطيع تفسير كل شيء، فكما تعلم أنا رجل يشك بكل شيء. الشك قد أوصلني للشك في الشك، وها أنا أخبرك أنني أشك في وصول هذا «الإنسان الإله».
هذا الإنسان الإله هو الدين الجديد تحت مسمى «الإنسانية»، وها أنت أيضًا تعتنق الكهنوتية التي تدّعي محاربتها؛ ليس التنوير سوى شكل جديد من أشكال التشدد للدين الجديد، هذه الحرب اللعينة تكافأت أطرافها.
ربما لن تصدق أنني أحببت هذه البقرة المتخلفة والرجعية — هكذا يصفها العالم الحديث الذي يريد تجريد الإنسان من غرائزه — ربما كنت سأتقبل تجريدك لي لو استطعت إخباري أي هوية سأحمل؟ هل تريد أن ترسلني لهذا الوهم الأوروبي كشيء ما هكذا؟ هذا ما يفعله الدين الجديد: إفراغ، إجبار على الإفراغ. هل تريد مني التفكير كيف أفكر دون غرائزي؟
كل شيء في هذا العالم غرائزي: الأخلاق، العلم، الإرهاب. هل تريد ردًا واضحًا؟ سوف أتزوج تلك البقرة، نعم سأكون «ثورًا سعيدًا» وأنجب بعض الثيران والبقرات الصغار. أنا لا أحتقر نفسي أو أحتقرها بهذا الوصف. لا أدري مَن منكم تمكن من التواصل مع بقرة حقيقية حول أفكارها ليحكم بغبائها؟ ربما أدركت البقرة شيئًا لم تدركه أنت، ربما أدركت أن جسدها غير قادر على الزراعة فاختارت وظيفة بقدر إمكانياتها الجسدية؛ أن تعمل على إشباعك بينما تعمل أنت على إشباعها، أو أدركت بُعدًا ميتافيزيقيًا آخر.
أنت تعلم أيضًا أن لكل مجتمع أو أفراد حيوانية أخلاقًا نابعة عن حاجة وقدرة. أنت كاهن يرى الإله فيه، كيف يجلس مع بقرة أو بقر؟ رسالتك جعلتني أشك في انتظارك لرسالة أخرى من ثور مثلي، لكن لا بأس.
يمكنني القول إني لن أهدم صنمًا لأبني آخر، لا فائدة من محاولتنا في التحرر من الكهنوتية القديمة إلى جديدة مغتربة عنا.
أحببت تلك الطابعة ولن أحطمها، ولن أجبرها على أن تطبع نسخًا عنكم.
سأكذب إن أخبرتك أنني أعرف ما الذي سيحدث، كل ما أعرفه أن الحب نتج عن غريزة الجنس (الولادة)، وظل الحب هو الولادة الدائمة: أدب، فن، فلسفة، وحتى معرفة. ربما أبدو «أوشويًا» حين أقول لك:
سنحاول أن نكون نحن.
ديك العِدة
.
التفتَ إليّ فجأة وهو يبتسم:
سأضرب العجوز
ماذا؟ هل تمزح
لا، ولكن لا بد من ذلك.
ثم تحرك في اتجاه الرجل الذي بدا وكأنه سينفجر؛ فقد احمرّ واخضرّ، وأرعد ودوى، وقفز في الهواء لعشرين قدم ثم عاد، ولم تتحرك عظمة واحدة من جسده! وأكثر ما يثير الغرابة في هذا البلد أن العجائز نادراً ما يموتون أو تُكسر عظامهم.
قال لي: يجب أن يُصفع ولو لمرة واحدة في حياته، أن تصفع عجوزاً في مثل هذا الوقت من اليوم فألٌ جيد!
كانت الشمس تلملم نساءها العائدات من النميمة، وعلى رؤوسهن ظلال غربان عائدة إلى أعشاشها. بينما يقف العجوز ماداًّ لعقيرته وهو يجادل مجموعة من الشباب، يتوعدهم بالموت تارة وبالسجن أخرى، بينما هم في صمت وذهول.
كنا نراقب الحدث من بعيد؛ كنتُ أنا مندمجاً وبتركيز كامل مع العجوز، بينما صديقي يركز بصره في نقطة بعيدة في أفق الله الواسع، ودون أي إنذار.. قرر ضرب العجوز، وفي هذا الوقت تحديداً!
حاولتُ أن أمنعه، ولكن شيئاً ما في داخلي أراد ضربه أيضاً منذ زمن بعيد.
حين كنا أطفالاً لم يكن العجوز أصلع تماماً؛ مؤخراً أصابه مرض جلدي، أو ربما دعوة شخص تمنى صفعه فأسقطت آخر ثلاث شعرات في مقدمة رأسه، وقد سمّيناه "ديك العدة" لذلك السبب، حتى نميزه عن باقي العجائز.
حكت لي جدتي ذات مرة -وقد كانت من العجائز الصالحين، ولذلك لم يتردد الموت ولو للحظة في اصطحابها إلى العالم الآخر
قديماً كان للعجائز شيءٌ يسمى الوقار، وكانت عظامهم هشة، وأحياناً يتكئون على عكاز، يشربون الحلبة ويصنعون مراهم من الأعشاب والطين، ويُسمع أنينهم وسعالهم في المساء.. وكان لكل عجوز حفيدٌ يحبه ومذياع."
لكن بعد سنة من المجاعة التي تلت الحرب، حيث مات الشبان، وترملت النساء، ويُتّم الأطفال، ظل العجائز على حالهم. ومرت السنوات.. سنوات كثيرة جداً يا ولدي، فلم يتحملوا عبء حياتهم الطويلة وحزنهم العميق على أبنائهم، ثم أحفادهم بعد ذلك وأحفاد أحفادهم، فقدوا صوابهم وأصبحت تفوح منهم رائحة المقابر.
لا أتذكر أن أحداً من العجائز تحدث عن تلك الحرب أو المجاعة؛ وكأن جدتي هي الوحيدة التي تتذكر، أو ربما كما يقول جدي إنها كانت تفقد عقلها وتختلق القصص.
وها نحن كلما اقتربنا من "ديك العدة" فاحت منه رائحة نتنة.. لا بد وأنها رائحة المقابر!
التفتَ إليّ صديقي، وبنظرة منه فهمت قصده: "فلنضرب ديك العدة!
وقف صديقي في المنتصف، نظر إلى ديك العدة بقرف، ثم رفع يده وكأنه يلتقط شيئاً ما من السماء، وصفع الرجل حتى سال الدم من أنفه! كانت المرة الأولى التي أرى فيها شخصاً ما يضرب الرجل. رفعتُ يدي ثم لكمته من الجهة الأخرى، سقط الرجل أرضاً ثم بدأ الجميع في لكمه حتى غطان الغبار و كلا منا يلكم و يركل في الفراغ.
ثم صاح صديقي: كفى دعوه يذهب.
ولكن لم يكن هناك سوى الغبار.. تبخر الرجل! لا شيء سوى رائحته النتنة.
دُهش الجميع: أين ذهب؟ فقط اختفى "ديك العدة"!
هرب الجميع في اتجاهات مختلفة، وبقيتُ وصديقي نتحسس أيدينا. وفي كل يوم، ننتظر الوقت المناسب لنضرب "ديك العدة" فيختفي ويتبخر.
مرت سنوات كثيرة....... مات صديقي، وأصبح "ديك العدة" من أقرب أصدقائي! وصرنا نتحسس الطرقات بحثاً عن العجائز..
فقد كانت جدتي على حق؛ نعم، حدثت مجاعة بعد حرب طويلة ومات فيها جميع الشباب، ولم يتبقَّ سواي.. و ديك العدة
وأحدهم يتمنى صفعنا في الوقت المناسب من اليوم و سيكون ذلك فأل جيد