
مقال دقيقتان للقراءة
أنانياً
«حينَ يصبحُ تقاسمُ النورِ هَدراً، تغدو الأنانيةُ فضيلةً تحمي الشُعلةَ الأخيرةَ مِنْ رياحِ القطيع»
أنانياً أكتبُ الآن لأنني مللتُ تقاسمَ النورِ مع أناسٍ لا يملكون سوىٰ إطفائه ولأن هذا البياضَ الورقيَّ طالما توسلَ حبرِي كي لا يمنحهُ لأحدٍ سواي فالأشياء العظيمة تبدأ دائماً بإكتفاءٍ ذاتيٍّ مُطلق ولا شيء أصفىٰ مِنْ أن ينكفئ المرءُ علىٰ روحه كقنفذٍ نحيلٍ يرفضُ العالم ليبقىٰ حياً لئلا ينزفَ في ممراتِ الآخرين المُزدحمة بالضجيج والمطالبِ التي لا تنتهي وحدي أنا والظلُّ الذي لا يُفارقني نمضي في حياكةِ هذا النصِّ كمن يخبئُ جمرةً تحتَ ثيابه الخفيفةِ خائفاً مِنْ أن يلمسها هواءٌ عابرٌ فيطفئها أو يسرقَ دفئها العابرون؛ فهم ليسوا سوىٰ عوائقَ في طريقِ التأملِ وربما لولا هذه الأنانيةُ المُقدسةُ لأنفرط عقدُ أفكاري في مهبِّ الأسئلةِ البليدةِ التي تُقايضُ العمقَ بالقبولِ الإجتماعيِّ الفجِّ ولأصبحتُ مُجردَّ صدىً لأصواتٍ لا تُشبهني وكيف لي أن أهبَ شيئاً مِنْ لُغتي لغرباءٍ لا يدركون أن الحرفَ لكي يولدَ يجب أن يُعصرَ مِنْ خلاصةِ القلبِ بعد حرقه لا أن يُوزعَ في شوارعِ الثرثرةِ الرخيصةِ أنا لا أكتبُ لأفتحَ باباً أو أمدَّ جسراً بل لأغلقَ كلَّ النوافذِ وأستفردَ بظلالي وحدي معطياً ظهري لكلِّ المارةِ الذين يعتقدون أنهم يعنون شيئاً في جغرافيا عُزلتي المكتفيةِ بذاتها فالأنانيةُ هُنا ليستْ نقصاً بل هي ترفُ الوجودِ الحقِّ وكمالُ الإنعتاقِ مِنْ لُغةِ الجماعةِ التي لا تتقنُ سوىٰ ترويضِ الوحشِ الفريدِ الذي يسكُننا كي يصبحَ أليفاً ومطواعاً كالقطيعِ وأنا أبداً لنْ أكونَ منهم ولا معهم بل أبقىٰ ذلك الساكنَ في قمةِ برجهِ العاجيِّ أراقبُ إنكساراتِ العالم مِنْ علوٍ مُبتسماً بسخريةٍ خفيةٍ لأنني أدركُ أن كلَّ ما في هذا الكونِ يزولُ سوىٰ لذةِ الإستئثارِ بالنفسِ إلىٰ الأبدية__ أخيراً، تنطمسُ الحدودُ تماماً ويستريحُ الحرفُ في مُستقره الأخير، كأنّ النصَّ كلَّه لَمْ يَگُنْ سوىٰ دحرجةٍ لثقلٍ خفيٍّ حُمِلَ دهرًا في الظل؛ فما أجمَلَ أن ينتهي المدىٰ بحقيقةٍ واحدةٍ لا يشارككَ فيها أحد، حقيقةِ أنكَ أردتَ فتكلّمتَ ثم صمتَّ متىٰ شئتَ ، مُكتفياً بما أبدعتَ دونَ إنتظارِ تصفيقٍ أو أثراً.؛
#إيالاڤيا #مجتمع
