أَنَامُ لِأَصْحُوَ
أَنَامُ لِأَصْحُوَ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى،
تَفْتَحُ نَوَافِذَهَا عَلَى طُفُولَةٍ بَعِيدَةٍ،
وَيُنَادِينِي عَابِرُونَ
بِاسْمٍ أَلِفْتُهُ فِي حَيَاةٍ لَمْ أَعِشْهَا.
أَجْلِسُ مَعَهُمْ،
تَدُورُ الْقَهْوَةُ، تَتَعَالَى الضَّحِكَاتُ،
وَيَدْخُلُ الَّذِينَ غَابُوا
بِالْوُجُوهِ نَفْسِهَا،
بِالْأَصْوَاتِ نَفْسِهَا،
بِالْعَتَبِ الْقَدِيمِ عَلَى تَأَخُّرِي.
يُكْمِلُونَ حَدِيثًا انْقَطَعَ،
وَيَتْرُكُونَ لِي مَقْعَدًا بَيْنَهُمْ،
كَأَنَّ الْقُبُورَ بُيُوتٌ
نَسُوا أَنْ يُغْلِقُوا أَبْوَابَهَا.
تَمُرُّ فَتَيَاتٌ تَحْمِلُ أَعْيُنُهُنَّ
مُدُنًا لَمْ أَزُرْهَا،
تَجْلِسُ إِحْدَاهُنَّ قُرْبِي
وَتَحْكِي لِي عَنْ حُبٍّ قَدِيمٍ،
فَأَشْتَاقُ إِلَيْهَا
كَأَنَّنَا افْتَرَقْنَا قَبْلَ عُمْرٍ.
أَسْتَيْقِظُ،
وَيَبْقَى صَوْتُهَا فِي الْغُرْفَةِ،
وَأَبْقَى أُفَتِّشُ فِي ذَاكِرَتِي
عَنْ وَجْهٍ لَمْ أَرَهُ إِلَّا نَائِمًا.
فِي الشَّارِعِ،
تَمْشِي الْبُيُوتُ عَلَى الْمَاءِ،
وَتُحَلِّقُ أَسْمَاءُ الْمَارَّةِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ،
وَيَجْلِسُ الْقَمَرُ فِي مَقْهًى قَدِيمٍ
يُقَلِّبُ صُوَرَنَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
أَعْرِفُ الطُّرُقَاتِ،
أَحْفَظُ الْوُجُوهَ،
وَأَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ نَفْسِهِ
كُلَّمَا أَضَاعَنِي الْمَكَانُ.
ثُمَّ يَتَسَرَّبُ الصَّبَاحُ،
تَفْرَغُ الْمَقَاعِدُ،
وَتَبْقَى عَلَى الطَّاوِلَةِ قَهْوَةٌ دَافِئَةٌ،
وَعَلَى الْبَابِ ظِلٌّ
لِشَخْصٍ لَمْ يَعُدْ.
أَفْتَحُ عَيْنَيَّ،
أَجِدُ الْغُرْفَةَ،
وَأَسْمَعُ فِي الْمَمَرِّ ضَحِكَاتِهِمْ.
أَنَامُ لِأَصْحُوَ،
وَأَصْحُو وَفِي عَيْنَيَّ مَدِينَةٌ
تَنْتَظِرُ اللَّيْلَ،
وَأُنَاسٌ يَتْرُكُونَ لِي مَقْعَدًا
كُلَّمَا عُدْتُ.
