"صحبت الناس أربعين سنة فما رأيتهم غفروا لي ذنبا ولا ستروا لي عيبا" - جميل بن مرة
تنتمي هذه المقولة إلى سياق تاريخي مبكر يُعرف بـ«الزمان الأول»، حين كان يُظن أن الدين يقترن بالإخلاص وأن المروءة شائعة بين الناس. وقد ترجم جميل بن مرة موقفه إلى قرار بلزوم قعر البيت وترك المجالس واعتزال العامة والخاصة، بعد استقراء دام أربعة عقود. ويرى أن الانخراط في المجتمع على هذه الحال يضيّع الحياة، ويفرض تجرع الغيظ باستمرار، ويسلّط الأهواء على مساحات التواصل. ويغدو الاعتزال بذلك موقفا فكريا يشكك في جدوى الرهان على الطبيعة البشرية، بعد أن كان يمكن أن يُفهم ردة فعل عاطفية مؤقتة.
تقوم المقولة على نفيين متتابعين يصف بهما ابن مرة تدهور العلاقات الاجتماعية: الأول انعدام التسامح، أي عدم غفران الذنوب، والثاني غياب الستر على العيوب. ويمتد المعنى من ذلك إلى المروءة، أي إقالة العثرات وقبول الأعذار، فهي غائبة كذلك. وتفترض المقولة أن العلاقات الإنسانية تميل إلى الاستهلاك والاستنزاف. والآخرون يتربصون بالسقطات ويسجلونها، ويغيب عنهم دور الصديق الذي يرمم الانكسارات.
وتستند المقولة إلى تجربة صاحبها وحده، فيُرجَّح أن تُقرأ شهادة شخصية عن أربعين سنة من الصحبة، وأن يُنظر إلى تعميمها على طبائع الناس بوصفه استنتاجا من هذه التجربة. وتسمّي المقولة بذلك شرطين تقوم عليهما الصحبة عادة، هما غفران الذنب وستر العيب، وتبيّن ما يترتب على غيابهما من عزلة.
4 مشاهدة