
مقال دقيقتان للقراءة
الوعي البشري
«الوعي ليسَ مُجردَّ شعلة تُنير طريقنا في هذا العالم، بل هو السراج الذي يمنح الوجود معناه، والعبء اللطيف الذي يجعل مِنْ حيرتنا وسعينا نحو المعرفة أسمىٰ درجات الحريّة»
إن الوعي البشري ليسَ مُجردَّ نافذة نطلُ مِنْ خلالها علىٰ العالم المحيط بل هو الأفق الذي يرتسم فيه الوجود بأكمله بوصفه مُعضلة كبرىٰ حيرت الفلاسفة والمفكرين عبر العصور دونَ أن تبلغ غاية تفسيرها المُكتمل فمنذُ اللحظة التي يفتح فيها الكائن البشري عينيه علىٰ هذا الكون يجد نفسه غارقاً في لُجة مِنْ التساؤلات العميقة التي تتجاوز حدود المادة البحتة لتلامس تخوم الميتافيزيقيا والوجود فالإنسان ليسَ كائناً حياً يحيا بيولوجياً فحسب بل هو الكائن الوحيد الذي يعي أنه حي ويدرك حتمية فنائه مما يُضفي علىٰ وعيه طابعاً مأساوياً وجمالياً في آن واحد وحينَ نتأمل طبيعة هذا الوعي نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس تعقيد الكون ذاته فهو ينبثق مِنْ طيات المادة العصبية المُعقدة في الدماغ ليتحول بقدرة قادر إلىٰ شُعلة مُضيئة قادرة علىٰ إستنطاق الماضي وإستشراف المستقبل وخلق عوالم إفتراضية مِنْ الخيال الخالص غير أن هذا التجلي الفذ يحمل في طياته مُفارقة عجيبة تتمثل في تلك الفجوة الهائلة بينَ العالم الفيزيائي المادي والعالم الداخلي المُعاش أو ما يصطلح علىٰ تسميته بالكيفيات المحسوسة التي تستعصي علىٰ أي إختزال مادي بحت فكيف لتجمعات مِنْ الخلايا العصبية والسيالات الكهربائية أن تولد شعوراً بالحزن العميق أو لذة الفرح الباهر أو تأملاً مُجرداً في العدم هُنا تقف العلوم الطبيعية صامتة أو عاجزة عَنْ تقديم إجابة شافية، مما يدفعُ الفلسفة إلىٰ دخول الميدان بحثاً عَنْ جوهر هذه التجربة الفريدة التي تُشكل الهوية الحقيقية للإنسان وخلال رحلة التأمل هذه يتكشف لنا الوعي بوصفه ساحة صراع مُستمرة بينَ الذات والموضوع وبينَ الداخل والخارج حيثُ يسعىٰ الفرد دائماً لفك طلاسم ذاته مِنْ خلال تفاعله مع الآخرين ومع العالم الفسيح الذي يُحيطُ به وتتجلىٰ أعمق تجليات الوعي في قدرته علىٰ النقد الذاتي والشك المنهجي والإعتراف بالقصور المعرفي مما يفتح الباب واسعاً أمام الحرية الإنسانية التي لا تكتمل إلا بقدرة الواعي علىٰ تجاوز مُعطيات واقعه المُباشر وتشكيل مصيره بوعي وإرادة حرة وبهذا المعنىٰ يصبح الوعي البشري هو المعيار الأسمى للوجود الإنساني برمته فهو السراج الذي ينير دروب المعرفة والأخلاق والجمال، وهو في نفس الوقت العبء الثقيل الذي يجعل الإنسان مُرتحلاً أبدياً في دروب التساؤل والبحث عَنْ المعنىٰ وسط عالم يتسم بالغموض والإتساع اللانهائي؛
#إيالاڤيا #مجتمع
