
مقال 4 دقائق للقراءة
رسالةُ قـبر
«القبورُ أعدلُ المدارسِ وأعظمُ الشواهد؛ تبتلعُ ألقابَ الملوكِ وأموالَ الأغنياء، لتُذكّرَ الأحياءَ بأنّ الدنيا قطرةُ ممر، وأنّ الخلودَ الحقيقيَّ لا يُبنىٰ بالغرور، بل بما يُزرعُ لليومِ الأخير»
بينَ أطلال الدهر وطيّات الذاكرة البشرية المنسية ترقدُ الكلمات كأحجار شواهد أقيمت لتُعانق الصمت الأبدي ولتحفظ في طيات سكونها حكايات الأمم الغابرة والملوك الذين طوتهم رمال الفناء وتلاشت عروشهم تحتَ وطأة الزمن الذي لا يُقهر فما القبر سوىٰ صفحة حجرية صامتة نقش عليها الإنسان صراعهُ الأبدي مع الفناء ومحاولته اليائسة لتخليد أثر يصارع به العدم وكأن الحفر في الصخر كان صرخة إحتجاج أطلقها الكائن الحي في وجه النسيان العارم لعل الأجيال القادمة تدركُ يوماً أن هُنا كان غاية ومبتدأ وأن خطىً حثيثة مشت علىٰ هذه الأرض قبل أن تبتلعها ظلمات العصور وتُطمس معالمها في لُجج التبدل والتغير المُستمر فحينَ نتأمل تلك المدن الجنائزية الكبرىٰ التي شيدها قدماء المصريين في قلبِ الصحراء أو تلك المدافن الصخرية المنحوتة في جبال البتراء الشامخة فإننا لا نرىٰ مُجردَّ قبور عادية بل نرىٰ فلسفة مُتكاملة في الخلود وفناً معمارياً فريداً وُلد مِنْ رحمِ الخوف الإنساني و العطش إلىٰ البقاء الأبدي حيثُ كانت المقابر تُبنىٰ أمتن وأبقىٰ بكثير مِنْ دور الحياة والقصور التي كان يقطُنها الأحياء في أيامهم المعدودة وكأنهم كانوا يعلمون بيقين عميق أن الدنيا دار ممر وأن المستقر الحقيقي هو ذلك الحجر البارد الذي يضم الرفات والأجساد بعد أن تفرغ منها الأرواح وتطير في ملكوت الغيب الواسع وتتجسد في هذه الرُكاميات الصامتة حكايات الأنبياء والقادة والملوك والفقراء والعبيد علىٰ حدٍ سواء لتتساوىٰ الجباه التي كانت ترتفع أخلاقياً وبعضها كبراً وتيهاً مع التراب الذي دثرها وأعادها إلىٰ أصلها الأول في لوحة كونية بالغة القسوة والعدالة في آن واحد فالتاريخ البشري لَمْ يَگُنْ سوىٰ سلسلة مُتصلة مِنْ محاولات التغلب علىٰ الموت إبتداءً مِنْ طقوس التحنيط المُعقدة التي سعىٰ مِنْ خلالها الفراعنة المصريينْ لحفظ الجسد مِنْ التحلل إنتظاراً لبعث موهوم وإنتهاءً بالقصائد الجنائزية والنقوش المنقوشة بماء الذهب والفضة علىٰ الجدران المُظلمة التي تروي مآثر الراحلين وحروبهم المظفرة وإنتصاراتهم الوهمية التي ذهبت أدراج الرياح فلم يبق منها سوىٰ صدىً بعيد يتردد في عقول المؤرخين والباحثين عَنْ آثار الماضي وتأتي رسالة القبر لتكون الخلاصة المُّرة لكل هذه الملاحم البشرية المُتعبة إذ تقول لكل جبار آشر ولكل طاغية تجبر في الأرض إن نهايتك حتمية وإن الأيام التي تحسبها طويلة ليستْ سوىٰ ومضة بصر في عمر الكون الفسيح وإن المال والجاه والسلطان لا تُغني عَنْ صاحبها شيئاً حينَ يحلُ الهلاك وتُقفل الأبواب دونَ عودة وتنطفئ جذوة الروح ولا يبقىٰ سوىٰ عظام نخرةٌ تُرابها يروي قصة الغرور الإنساني الذي ظن أنه خالدٌ مُخلد في هذه الأرض الفانية التي ما أستقرت لحي إلا وأهلكته وما نادت صاحباً إلا وأفجعته برحيل قريب وتتجلىٰ عبر التاريخ الإنساني أشكال مُتعددة لتلك الرسائل المكتوبة علىٰ شواهد القبور فمنها ما يحمل الحكمة البليغة التي تذكّر المارة بزوال الدنيا وحتمية المصير ومنها ما يحمل الأدعية الحارة بالرحمة والغفران ومنها ما ينضحُ بالأسىٰ واللوعة علىٰ فُراق الأحبة والأولاد وكأن البشرية علىٰ مر العصور أتفقت بوعي أو بغير وعي علىٰ جعل المقابر مدارس مفتوحة للزهادة والإعتبار ومعاهد كبرىٰ لتلقي دروس التواضع الإنساني في أبها وأقسىٰ صورها ولعل الرجوع إلىٰ تملي هذه الشواهد والوقوف أمامها بخشوع وهدوء يُطهرُ النفس مِنْ أدران الطمع والحرص الشديد علىٰ حطام الدنيا الزائف ويعيدُ للإنسان توازنه المفقود في زحمة الحياة المادية الصاخبة التي تُنسيه حقيقة وجوده وهدفه الأسمىٰ مِنْ هذا الوجود المؤقت الذي ما هو إلا قطرةً نعبرها نحو الأبدية المَحتومة التي تنتظر الجميع بلا إستثناء ولا مُحاباة ويبقىٰ القبر علىٰ مر العصور الرمز الأعظم للمساواة المُطلقة بينَ البشر إذ يتساوىٰ فيه الغني والفقير والجاهل والعالم والملك والصعلوك في بطن الأرض وتحتَ طبقات الثرىٰ الطارد لكل تمايز إجتماعي أو طبقي صنعهُ البشر لأن الأرض لا تعترف بألقابهم الوهمية ولا بأسلحتهم وأموالهم بل تبتلع الجميع في ظلمات أحشائها لتصنع منهم طاقة جديدة ومكونات أساسية لدورة الحياة الطبيعية التي لا تتوقف عجبتُ لمنْ يرتجف خوفاً مِنْ الموت وهو يرىٰ هذه الحشود الغفيرة مِنْ الآباء والأجداد والملوك قد سلكت هذا الدرب قبله بقرون طويلة وكأن الموت تخصيص فريد له وحده دونَ سائر البشر مع أنه الممر الوحيد الذي لا بد لكل كائن حي مِنْ عبوره طال الزمان أو قصر لتنطوي بذلك صفحات العمر وتُطوى معها كل الأسرار والآمال والآلام والذكريات في ذلك الصندوق الصامت المظلم الذي لا يأتيه النور إلا مِنْ ثقوب الوحي الإلهي وبصائر العارفين الذين أيقنوا أن الحياة الحقيقية تبدأ حيثُ تنتهي هذه الحياة الفانية وتلك هي الرسالة الأزلية الكبرىٰ التي يبعث بها كل قبر مُطبّق علىٰ صاحبه إلىٰ الأحياء؛ ممن يحملون في صدورهم أنفاس الحياة ومتاعبها المستمرة ليقولوا لهم بصوت الصمت المدوي إعملوا لما بعد هذا التراب فإن ما ترونه اليوم عظيماً سيُمسي غداً هباءً منثوراً وما تحسبونه باقياً لن ينجو مِنْ يد الفناء المُمتدة لتطال كل شيء في هذا الكون الفسيح سوىٰ وجه ربكم ذي الجلال والإكرام الذي يبقىٰ وحدهُ فوق مُتغيرات الدهر وأحداث الزمان؛
#إيالاڤيا #مجتمع
